فقاعة أم ثورة؟.. مدخرات التقاعد الأميركية تنكشف على طفرة الذكاء الاصطناعي
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعتين
آخر تعديل: قبل ساعة
مدخرات التقاعد تنكشف على أسهم التكنولوجيا في وول ستريت (شترستوك)
مدخرات التقاعد تنكشف على أسهم التكنولوجيا في وول ستريت (شترستوك)
يستثمر ملايين العاملين الأميركيين الذين يضعون مدخراتهم في خطط التقاعد المعروفة باسم 401(k) في طفرة الذكاء الاصطناعي وأسهم عمالقة التكنولوجيا بشكل غير مباشر، عبر الصناديق المرتبطة بالمؤشرات، معرضين بصورة متزايدة لمجموعة صغيرة من عمالقة التكنولوجيا التي تقود إنفاق الذكاء الاصطناعي وتحدد في الوقت نفسه مسار وول ستريت.
ويقول خبراء في أسواق المال إنه لدى نحو 54% من الأسر الأميركية خطط تقاعد، وإن انتشار الصناديق المرجحة بالقيمة السوقية يجعل تضخم قيمة الشركات العملاقة يرفع تلقائياً وزنها داخل محافظ المدخرين، والأدق أن الصندوق لا يحتاج بالضرورة إلى شراء المزيد من سهم مثل «إنفيديا» أو «ميتا» لمجرد ارتفاع سعره؛ إذ يرتفع وزنه في المؤشر تلقائياً، بينما تُوجَّه التدفقات الجديدة وفق الأوزان السوقية الجديدة، وفق فورتشن.
الاستثمار التلقائي يضاعف التعرض
ويرى الخبراء أن اتساع هذا التعرض ليس هامشياً، فبحسب أحدث بيانات فانغارد، توفر 96% من خطط المساهمات المحددة التي تتابعها الشركة صناديق ذات تاريخ مستهدف، ويستثمر 84% من المشاركين في هذه الصناديق، بينما يحتفظ 73% من مستخدميها بكامل حسابهم في صندوق واحد، كما شكّلت صناديق التاريخ المستهدف المؤشرية نحو 60% من إجمالي أصول هذه الفئة في 2024.
ويظهر أحدث مسح سنوي لمجلس الاحتياطي الفيدرالي أن 61% من البالغين الأميركيين يمتلكون حساباً تقاعدياً ذا مزايا ضريبية، وهي فئة أوسع تشمل خطط التقاعد في صناديق المؤشرات 401(k) وحسابات التقاعد الفردي (IRA)، ويكشف ذلك حجم القاعدة التي تنتقل إليها تحركات الأسهم الكبرى عبر تصميم نظام التقاعد نفسه.
لكن ذلك التصميم، الذي بُني على فكرة التنويع منخفض التكلفة، أصبح أكثر اعتماداً على حفنة من الشركات، حيث تمثل أسهم «السبعة الكبار» أكثر من 30% من قيمة مؤشر S&P 500، بينما تنقل فورتشن عن إد يارديني، رئيس Yardeni Research، أن قطاعي تكنولوجيا المعلومات وخدمات الاتصالات معاً يمثلان نحو 45% من القيمة السوقية للمؤشر، وفق رويترز.
لا يعني هذا التركّز أن الاستثمار السلبي فقد مزاياه، لكنه يعني أن «شراء السوق كله» أصبح عملياً يمنح أكبر شركات التكنولوجيا وزناً استثنائياً.
وتشير مؤسسة غولدمان ساكس المالية الأميركية، إلى ظاهرة غير معتادة تتمثل في ارتفاع عدد الأسهم الأميركية الكبرى التي تتحرك بعلاقة سالبة مع المؤشر، في نمط لم يُرَ بهذه القوة منذ فقاعة التكنولوجيا. وبلغ متوسط «بيتا» لأكبر ثماني شركات تكنولوجية نحو 1.23، مقابل 0.87 لبقية الشركات، في إشارة إلى أن المحرك الفعلي للسوق أصبح أضيق من عدد الأسهم التي يضمها المؤشر.
وتقدم «سبيس إكس» نموذجاً جديداً لكيفية انتقال هذا التركّز بسرعة إلى الأموال السلبية. فقد استحدثت ناسداك قاعدة «الدخول السريع» التي تسمح للشركات الجديدة الضخمة بالانضمام إلى Nasdaq-100 بعد 15 يوم تداول إذا استوفت شروط الحجم، مع إعفائها من متطلبات «النضج» التقليدية. وبعد طرح «سبيس إكس» في يونيو، قالت رويترز إن دخولها السريع إلى المؤشر كان مرشحاً لتوليد نحو 4.3 مليار دولار من التدفقات السلبية المرتبطة بإعادة موازنة الصناديق.
أرباح ورقية داخل قصة الذكاء الاصطناعي
يحذر خبراء أسواق المال من أن الخطر الآخر لا يرتبط فقط بالوزن السوقي، بل بطبيعة بعض الأرباح التي تدعم تقييمات القطاع.
وتلفت فورتشن إلى استثمار «أمازون» في أنثروبيك (Anthropic) وتؤكد إفصاحات أمازون لدى هيئة الأوراق المالية والبورصات الأميركية أن صافي دخل الربع الأول من 2026 بلغ 30.3 مليار دولار، وتضمن 16.8 مليار دولار من المكاسب قبل الضريبة ضمن الدخل غير التشغيلي المرتبط باستثماراتها في أنثروبيك.
ويقول خبراء أسواق المال إن هذه ليست تدفقات نقدية من أعمال أمازون الأساسية، بل مكاسب محاسبية مرتبطة بإعادة تقييم الاستثمار. وفي المقابل، انخفض التدفق النقدي الحر لأمازون إلى 1.2 مليار دولار خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في مارس، بعدما ارتفعت مشتريات الممتلكات والمعدات 59.3 مليار دولار على أساس سنوي، وقالت الشركة إن الزيادة تعكس أساساً استثمارات الذكاء الاصطناعي.
وتظهر القضية بصورة مختلفة لدى «مايكروسوفت»؛ فقد أعلنت الشركة أنها ستمد، بدءاً من السنة المالية 2027، العمر المحاسبي المقدر لمراكز البيانات والمباني المكتبية من 15 إلى 25 عاماً، ما يوزع مصروف الإهلاك على فترة أطول، وإن كانت الشركة تقول إن الأثر المتوقع على دخل التشغيل في العام الأول سيكون محدوداً.
رهان تقاعدي على عوائد لم تُحسم بعد
يقول خبراء، استطلعت رويترز آراءهم، إن موجة الإنفاق على الذكاء الاصطناعي لدى مايكروسوفت وألفابت وأمازون وميتا وأوراكل بدأت تضغط على التدفقات النقدية الحرة، وإن تقديرات مجموعة بورصات لندن (LSEG) تشير إلى أن الإنفاق الرأسمالي المجمع لهذه الشركات قد يتجاوز تدفقاتها النقدية الحرة بحلول 2027.
ويضيفون «هكذا يصبح السؤال بالنسبة إلى أصحاب خطط التقاعد في صناديق المؤشرات 401(k) أقل ارتباطاً بما إذا كان الذكاء الاصطناعي سينجح تقنياً، وأكثر ارتباطاً بسرعة تحوله إلى أرباح وتدفقات نقدية تبرر التقييمات الحالية؟».
ويوضح الخبراء أن المستثمر السلبي (مستثمر خطط التقاعد في صناديق المؤشرات) لم يختر هذا الرهان بصورة مباشرة، لكن حين تصبح الشركات الأكثر استفادة من طفرة الذكاء الاصطناعي أكبر مكونات المؤشرات، تتحول أجزاء متزايدة من مدخرات التقاعد الأميركية إلى ممول طويل الأجل لها.
وإذا لحقت الأرباح بحجم الإنفاق قد يستمر ذلك كمصدر للعائد، أما إذا اتسعت الفجوة بين التقييمات والتدفقات النقدية، فقد يتضح أن التنويع الظاهري يخفي اعتماداً أكبر مما يعتقده ملايين المدخرين على الرهان التكنولوجي نفسه.