تراهن شركة أنثروبيك على أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الاقتصاد العالمي بصورة تفوق تأثير الثورة الصناعية والكهرباء والإنترنت، في رؤية طموحة تكشف عنها نشرة الاكتتاب العام الأولي المرتقب للشركة. ويأتي ذلك بينما تستعد الشركة المطورة لنماذج «
كلود» لطرح أسهمها للاكتتاب العام، في صفقة قد تقدر قيمتها بأكثر من 2 تريليون دولار، ما سيجعلها واحدة من أكبر شركات الذكاء الاصطناعي من حيث القيمة السوقية.
وبحسب نشرة الاكتتاب التي اطلعت عليها رويترز، تخطط أنثروبيك للالتزام بإنفاق نحو 518 مليار دولار على الحوسبة والبنية التحتية السحابية خلال السنوات المقبلة.
إيرادات تقفز 12 مرة
تكشف البيانات المالية عن نمو استثنائي في نشاط الشركة، إذ قفزت إيراداتها 12 مرة خلال 2025 إلى نحو 4.6 مليار دولار.
لكن هذا النمو صاحبه ارتفاع كبير في الخسائر، إذ سجلت أنثروبيك خسارة تشغيلية تجاوزت 8 مليارات دولار خلال العام، باستثناء عمليات شطب بعض الالتزامات المرتبطة بجولات التمويل السابقة.
أما صافي الخسارة، فوصل إلى نحو 42 مليار دولار، لكن نحو 34 مليار دولار منها نتج عن قيد محاسبي مرتبط بارتفاع القيمة المقدرة لأدوات تمويل يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى أسهم في الشركة، وليس عن إنفاق تشغيلي مباشر.
518 مليار دولار للبنية التحتية
يعكس حجم الالتزامات المستقبلية مدى اعتماد شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة على قدرات
الحوسبة، إذ ترى أنثروبيك أن توافر القدرة الحاسوبية سيكون عاملًا رئيسيًا في تحديد قدرتها على مواصلة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتخطط الشركة لإنفاق ما لا يقل عن 518 مليار دولار على مدى عقد مع عدد من شركاء البنية التحتية. وتقول رويترز إن نحو 80% من هذه الالتزامات غير قابل للإلغاء أو يتطلب السداد بغض النظر عن مستوى الاستخدام.
وتشمل الالتزامات ما لا يقل عن 111.1 مليار دولار مع غوغل، و110 مليارات دولار مع أمازون، و31.4 مليار دولار مع مايكروسوفت، بموجب اتفاقات تمتد من 7 إلى 10 سنوات.
إنفاق الحوسبة يتضاعف
أنفقت أنثروبيك نحو 7.33 مليار دولار على الحوسبة والبنية التحتية خلال 2025، بزيادة تقارب ثلاثة أمثال مستويات العام السابق، وهو ما شكل أكثر من نصف إجمالي مصروفاتها التشغيلية خلال العام.
وتتجه الشركة تدريجيًا من نموذج يعتمد بصورة أساسية على الخدمات السحابية إلى بناء قدر أكبر من بنيتها التحتية الخاصة واستئجار الرقائق مباشرة، في محاولة لتأمين موارد الحوسبة اللازمة للتوسع.
تقييم 2 تريليون دولار تحت الاختبار
قد يضع الطرح المرتقب تقييم أنثروبيك عند أكثر من 2 تريليون دولار، أي أكثر من ضعف التقييم الذي قدرت به الشركة في مايو والبالغ نحو 965 مليار دولار.
ويرى محللون أن هذا المستوى من التقييم يعكس توقعات مرتفعة للغاية بشأن قدرة الذكاء الاصطناعي على خلق إيرادات مستقبلية ضخمة، وليس فقط الأداء المالي الحالي للشركة.
وقال مايكل فيلد، كبير استراتيجيي الأسهم لدى «مورنينغ ستار»، إن نمو الإيرادات يمثل أحد أبرز عناصر الطرح، مشيرًا إلى أن ارتفاع الإيرادات 12 مرة خلال 2025 يعد تطورًا لافتًا، رغم أن التقييم المستهدف البالغ تريليوني دولار يظل مرتفعًا للغاية.
مخاوف من تركز العملاء
ولا تخلو قصة النمو من مخاطر، إذ أفصحت أنثروبيك عن أن نحو ربع إيراداتها في 2025 جاء من عميلين فقط، كما حذرت من أن عددًا من كبار عملائها لا يرتبطون معها بعقود طويلة الأجل، ما يعني إمكانية خفض الإنفاق أو وقفه.
ويرى دان كوتسوورث، رئيس الأسواق لدى «إيه جي بيل»، أن تركّز الإيرادات لدى عدد محدود من العملاء يمثل أحد المخاطر التي سيوليها المستثمرون اهتمامًا، في الوقت الذي تسعى فيه الشركة إلى توسيع قاعدة عملائها.
إنفاق الذكاء الاصطناعي يدعم شركات الرقائق
في المقابل، يرى بعض المحللين أن ضخامة خطط الإنفاق تمثل دعمًا مستمرًا لسوق الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية المرتبطة به.
وقالت كاثلين بروكس، مديرة الأبحاث لدى «إكس تي بي»، إن استمرار أنثروبيك في الإنفاق الرأسمالي المرتفع يمثل إشارة إلى أن دورة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي لم تنته بعد، وهو ما قد يدعم شركات أشباه الموصلات ومزودي البنية التحتية.
لكن في المقابل، يرى نيوتن جونز، مدير الثروات في «زايزمر-جونز برايفت ويلث مانجمنت»، أن ضخامة التقييمات تثير تساؤلات، خصوصًا عندما تكون الشركات ما زالت تسجل خسائر بمليارات الدولارات وتحتاج إلى إنفاق رأسمالي هائل.
اختبار حقيقي لتقييمات الذكاء الاصطناعي
ويضع الطرح المرتقب لأنثروبيك أمام المستثمرين معادلة واضحة: نمو سريع للغاية في الإيرادات مقابل خسائر ضخمة والتزامات هائلة للإنفاق على البنية التحتية.
وبذلك لن يكون الاكتتاب مجرد اختبار لقيمة أنثروبيك، بل مؤشرًا على مدى استعداد الأسواق لمنح شركات الذكاء الاصطناعي تقييمات ضخمة استنادًا إلى توقعات النمو المستقبلي، حتى في ظل ارتفاع تكاليف تطوير وتشغيل النماذج المتقدمة.
(رويترز)