استقطب قطاع التعدين المصري استثمارات مخططة بمئات الملايين من الدولارات خلال الأسبوع الجاري، مع اقتراب شركات حاصلة على تراخيص استكشاف من تأكيد وجود رواسب ذهب قابلة للاستغلال التجاري، في وقت تسعى فيه مصر إلى زيادة إنتاجها من المعدن النفيس وتطوير مواردها المعدنية غير المستغلة. وقال مسؤولون تنفيذيون لشركات تعدين، على هامش منتدى مصر للتعدين، إن أعمال الاستكشاف تقترب من تحديد رواسب تدعم عمليات إنتاج تجارية، في بلد يُنظر إليه باعتباره من أقل
الدول الإفريقية استكشافاً للموارد المعدنية.
ويأتي تنامي الاهتمام بالقطاع مع ارتفاع أسعار الذهب، التي تجاوزت 5 آلاف دولار للأونصة للمرة الأولى خلال العام، وسط توجه المستثمرين إلى الأصول الآمنة في ظل التوترات الجيوسياسية والتجارية.
تعديلات تشريعية لجذب الاستثمارات
تأتي التحركات بعد نحو ست سنوات من تعديل مصر قانون التعدين، بما ألغى نظام اقتسام الإنتاج وقواعد أخرى كانت تحد من جاذبية القطاع أمام المستثمرين، في إطار مساعي الحكومة لتشجيع التنقيب واستغلال الموارد المعدنية التي ترى أنها لا تزال غير مستغلة على نطاق واسع.
لكن الوصول بإنتاج مصر إلى مستويات مماثلة للدول الإفريقية المنتجة يتطلب معالجة تحديات، من بينها التعدين غير القانوني والتأخيرات البيروقراطية، فضلاً عن عقبات أخرى لا تزال تحد من تدفق الاستثمارات.
وقال فينسنت موريل، المدير القطري لشركة «أخ غولد»، المدعومة من رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، إن حجم التمويل المتاح يحدد قدرة الشركات على تنفيذ عمليات الحفر، لكنه شدد على أهمية توجيه الإنفاق إلى أهداف استكشافية مدروسة.
وأضاف أن الشركة حققت اكتشافات واعدة في إحدى مناطق امتيازها بالصحراء الشرقية الوسطى، الواقعة ضمن الدرع الجيولوجي العربي النوبي الغني بالمعادن، والذي يمتد عبر البحر الأحمر إلى السودان وإريتريا وإثيوبيا.
وتواصل الشركة أعمال الاستكشاف في منطقتي امتياز أخريين، إلا أن وجود منقبين غير قانونيين منعها من الوصول إلى أجزاء من مناطق الامتياز، وشهدت بعض الحالات مواجهات عنيفة، وفقاً لموريل، الذي أشار إلى أن الأمن يمثل أحد أبرز التحديات أمام عمليات الشركة.
مصر تستهدف إنتاج 800 ألف أونصة بحلول 2030
تستهدف الحكومة المصرية رفع إنتاج الذهب إلى 800 ألف أونصة سنوياً بحلول عام 2030، وزيادة مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6%، مقارنة بأقل من 1% حالياً.
ويتوقف تحقيق هذه الأهداف جزئياً على قدرة الشركات الجديدة في القطاع على زيادة إنتاجها وإثبات وجود احتياطيات أكبر من تلك التي حددتها حتى الآن.
ويتركز معظم إنتاج الذهب المصري حالياً في منجم السكري، الذي يجمع بين التعدين السطحي وتحت الأرض، ويقع جنوب غربي مدينة مرسى علم على ساحل البحر الأحمر.
وتدير المنجم شركة «أنغلوغولد أشانتي» الجنوب إفريقية، التي استحوذت على شركة «سنتامين» في عام 2024. وقد تجاوز إنتاج المنجم التراكمي 6.8 مليون أونصة، فيما يبلغ إنتاجه السنوي حالياً نحو 500 ألف أونصة.
شركات محلية توسع عمليات الاستكشاف
تسعى شركة «شلاتين للثروة المعدنية»، المملوكة جزئياً لجهة اقتصادية تابعة لوزارة الدفاع المصرية، إلى تعزيز نشاطها في القطاع. وقالت الشركة إنها أنتجت أكثر من 900 كيلوغرام من الذهب، أي نحو 29 ألف أونصة، خلال العام الماضي.
من جانبها، تستهدف شركة «أبو مروات لمناجم الذهب» بدء الإنتاج التجاري العام المقبل، في امتياز يحتوي على احتياطيات تُقدر بنحو 150 ألف أونصة، وفقاً لرئيس مجلس إدارتها وعضوها المنتدب أيمن إبراهيم.
وتُعد الشركة مشروعاً مشتركاً بين هيئة الثروة المعدنية المصرية وشركة «أتون ريسورسز» الكندية. وتواصل أعمال الاستكشاف بهدف رفع احتياطياتها إلى مليوني أونصة، بحسب إبراهيم.
وفي سياق متصل، حددت شركة «آفاق للتعدين»، وهي شركة مصرية خاصة تتعاون مع «شلاتين»، رواسب تحتوي على نحو 305 آلاف أونصة من الذهب في امتياز غرب جبل علبة بالصحراء الجنوبية الشرقية.
وقال مصطفى البحر، رئيس مجلس إدارة الشركة وعضوها المنتدب، إن «آفاق» تخطط لاستثمار نحو 146 مليون دولار خلال السنوات الأربع إلى الخمس المقبلة، لتمويل مزيد من أعمال الاستكشاف وإنشاء منشأة أولية للإنتاج.
شركات أجنبية تزيد الإنفاق على التنقيب
بدأت شركة «ريد سي ريسورسز» الكندية، التي تأسست عام 2020، عمليات الحفر في منطقتين من بين ثلاث مناطق امتياز لديها في مصر، بحسب رئيس الشركة دارين لابرينز.
وأوضح لابرينز أن الحفر يمثل النشاط الأعلى تكلفة بالنسبة إلى الشركة، ما يجعل اختيار المواقع المستهدفة بدقة أمراً مهماً قبل ضخ الاستثمارات.
كما حددت شركة «لوتس غولد»، التابعة لشركة «أونغوي مينيرالز» الكندية، مؤشرات استكشافية واعدة في مناطق امتياز تغطي نحو ألفي كيلومتر مربع، وتعتزم تكثيف أعمال التنقيب، وفقاً لمديرها العام عمر ناصر.
وفي السياق ذاته، تعتزم شركة «السعودية لمصفاة الذهب»، ومقرها الرياض، استثمار 10 ملايين دولار في أعمال الاستكشاف بمصر خلال العامين المقبلين، بعد تقديمها عروضاً في أحدث جولات التراخيص.
وقال رئيس الشركة سليمان العثيم إن إجمالي استثماراتها المستهدفة في مصر سيبلغ نحو 200 مليون دولار بحلول عام 2030، تشمل تطوير المناجم ومنشآت الإنتاج.
وتعكس خطط الشركات المحلية والأجنبية تنامي الاهتمام بالتنقيب عن الذهب في مصر، بينما يظل توسيع الإنتاج مرهوناً بتحويل الاكتشافات والاحتياطيات إلى مشروعات تجارية، إلى جانب معالجة التحديات التي تواجه أنشطة التعدين.
(رويترز)