صندوق النقد يطمئن سوق السندات.. لكن تكلفة المال تدخل منطقة الخطر
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعتين
آخر تعديل: قبل ساعة
صندوق النقد الدولي (شترستوك)
صندوق النقد الدولي (شترستوك)
تبدو أسواق السندات العالمية أكثر هدوءاً في نظر صندوق النقد الدولي مما توحي به شاشات التداول، فعلى الرغم من صعود العوائد الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من عقدين وانتقال موجة البيع من واشنطن إلى لندن وباريس وطوكيو، يقول الصندوق إن الأسواق لا تزال تعمل بطريقة منتظمة، في إشارة إلى أن القفزة في تكلفة الاقتراض لم تتحول حتى الآن إلى أزمة سيولة أو خلل في آليات التداول.
وقالت جولي كوزاك، مديرة إدارة الاتصالات في صندوق النقد الدولي، الخميس، إن ما يراه الصندوق عالمياً هو أن "أسواق السندات تواصل العمل بشكل منتظم"، وذلك بعدما قفز عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى 5.34%، وهو أعلى مستوى منذ 2002، كما سجل العائد خلال الربع الثالث أكبر زيادة فصلية له في القرن الحالي، بنحو 90 نقطة أساس، وفق رويترز.
عوائد مرتفعة لا تعني سوقاً معطلة
يقول خبراء أسواق المال إن رسالة صندوق النقد لا تعني أن المؤسسة تقلل من مخاطر موجة البيع، بل تفرق بين ارتفاع حاد في الأسعار والمعدلات من جهة، وبين اضطراب هيكلي يمنع المستثمرين من شراء وبيع الأوراق المالية بصورة طبيعية من جهة أخرى.
ولا تزال الأسواق تجد مشترين عند مستويات العائد المرتفعة، وبعد بلوغ العائد الأميركي لعشر سنوات 5.34% الخميس، عاد إلى قرب 5.26%-5.28% مع دخول مستثمرين لاقتناص السندات المنخفضة السعر، وفق رويترز.
ويحمل مستوى العوائد نفسه آثاراً اقتصادية ثقيلة، ويقول خبراء استطلعت فايننشال تايمز آرائهم إن عوائد السندات الأميركية لأجل عشر سنوات وصلت إلى أعلى مستوى منذ 2002، بينما تجاوز عائد السندات البريطانية لأجل 30 عاماً 6% للمرة الأولى منذ 1998، بالتزامن مع ضغوط قوية على السندات الفرنسية والإيطالية وارتفاع العوائد اليابانية إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود.
النفط يعيد التضخم إلى قلب سوق الدين
قال صندوق النقد إن أسعار الديزل والبنزين ووقود الطائرات ارتفعت بنسب تتراوح بين 60% و97% مقارنة بمستويات ما قبل الصراع، في ظل تداعيات الحرب والقدرة المحدودة عالمياً على زيادة إنتاج المصافي.
وترى كوزاك أن صدمة الطاقة لم تنته بعد، إذ تستمر منتجات الوقود المرتفعة في تغذية التضخم العام.
وتفسّر هذه الحلقة جانباً مهماً من ارتفاع عوائد السندات: طاقة أغلى تعني تضخماً أكثر عناداً، وهو ما يدفع المستثمرين إلى توقع أسعار فائدة أعلى لفترة أطول والمطالبة بعائد أكبر للاحتفاظ بالديون طويلة الأجل.
وتجاوز خام برنت 100 دولار للبرميل خلال موجة البيع، ما عزز المخاوف من إعادة إشعال التضخم وإجبار البنوك المركزية على إبقاء السياسة النقدية مشددة.
الدين الحكومي والذكاء الاصطناعي يتنافسان على رأس المال
ويرى الخبراء أن الطاقة ليست العامل الوحيد؛ فقد أصبحت الأسواق مطالبة أيضاً بتمويل أحجام متزايدة من الدين الحكومي، بينما تضخ شركات التكنولوجيا مئات المليارات في مراكز البيانات والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي.
وتجاوز الدين الحكومي الأميركي 40 تريليون دولار، في وقت تبلغ فيه نسبة الدين إلى الناتج المحلي 100% أو أكثر في جميع اقتصادات مجموعة السبع باستثناء ألمانيا.
وفي الوقت نفسه، أصدرت خمس من أكبر شركات التكنولوجيا المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي —ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل— نحو 220 مليار دولار من السندات خلال 2026، أي أكثر من ضعف إجمالي العام السابق، وفق بيانات مجموعة بورصات لندن (LSEG) التي نقلتها رويترز.
وتعني زيادة المعروض من السندات الحكومية وسندات الشركات أن المقترضين يضطرون إلى تقديم عوائد أعلى لجذب رأس المال، ما يضيف عاملاً هيكلياً إلى ضغوط التضخم والسياسة النقدية.
من وول ستريت إلى الرهن العقاري
ويوضح خبراء أسواق المال أن ارتفاع العوائد لا يبقى محصوراً داخل قاعات التداول؛ فالعائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات يشكل مرجعاً لتسعير الرهون العقارية وقروض الشركات والأصول المالية حول العالم.
ووصل متوسط تكلفة الرهن العقاري الأميركي لأجل 30 عاماً إلى نحو 7.28%، فيما حذرت رويترز من أن ارتفاع العوائد يرفع خدمة الدين الحكومي ويضغط على الشركات والأسر ويحد من قدرة الحكومات على تخصيص الأموال للإنفاق والاستثمار.
وبحسب الخبراء فإنه حتى من دون حدوث أزمة سيولة أو تعطل في التداول، فإن استمرار عوائد السندات عند مستويات تاريخية مرتفعة يمكن أن يؤدي تدريجياً الوظيفة نفسها التي يؤديها التشديد النقدي، عبر خفض الاقتراض والاستثمار والاستهلاك وتشديد الأوضاع المالية عالمياً.
وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للأسواق لن يكون فقط قدرتها على تحمل يوم آخر من البيع، بل قدرتها على استيعاب مزيج أطول أمداً من أسعار الطاقة المرتفعة، والديون الحكومية المتضخمة، والإنفاق الرأسمالي القياسي على الذكاء الاصطناعي، من دون أن يتحول "الانتظام" الذي يراه صندوق النقد اليوم إلى ضغط مالي أوسع غداً.