ارتفعت أسعار القمح للجلسة الثالثة على التوالي اليوم الاثنين، مع تزايد المخاوف من أن يؤدي تصعيد الحرب بين روسيا وأوكرانيا إلى مزيد من الاضطرابات في إمدادات الحبوب العالمية، خصوصاً عبر البحر الأسود، أحد أهم ممرات تجارة القمح في العالم. وصعد العقد الأكثر نشاطاً للقمح في بورصة شيكاغو بما يصل إلى 1 في المئة خلال تعاملات الاثنين، قبل أن يقلص جزءاً من مكاسبه، مواصلاً أطول سلسلة ارتفاعات له في نحو شهر، وسط تزايد المخاوف بشأن مستقبل تدفقات الحبوب من المنطقة.
وجاء صعود الأسعار بعد إعلان الحكومة الروسية أن قواتها ستكثف الضربات على البنية التحتية في أوكرانيا، في رسالة وزعتها وزارة الدفاع الروسية الأحد، ما أثار مخاوف في أسواق السلع من أن يؤدي اتساع نطاق العمليات العسكرية إلى عرقلة إضافية لتجارة الحبوب.
البحر الأسود في قلب مخاوف سوق القمح
وتكتسب التطورات أهمية خاصة بالنسبة لسوق القمح، نظراً للدور المحوري الذي تؤديه منطقة
البحر الأسود في التجارة العالمية للحبوب، إذ تعتمد حركة الصادرات من المنطقة على ممرات بحرية يمكن أن تتأثر مباشرة بأي تصعيد عسكري أو أضرار تلحق بالبنية التحتية المرتبطة بالنقل والتخزين والتصدير.
وتأتي المخاوف الحالية في وقت تعاني فيه إمدادات القمح الخارجة من البحر الأسود بالفعل من قيود شديدة منذ يوليو، ما يجعل أي اضطراب جديد عاملاً إضافياً قد يدعم الأسعار العالمية.
وكانت صادرات القمح الروسية قد تراجعت بصورة حادة في سبتمبر، وفق بيانات نقلتها وكالة «إنترفاكس»، ما يضيف إلى الضغوط التي تواجه حركة التجارة في المنطقة.
ولا تعني هذه التطورات بالضرورة نقصاً فورياً في الإمدادات العالمية، لكن الأسواق عادة ما تسعّر مخاطر تعطل التجارة قبل حدوثها فعلياً، وهو ما يمكن أن يفسر صعود العقود الآجلة للقمح مع تصاعد التوترات.
تركيا تحاول حماية حركة شحن الحبوب
ويهدد أي تصعيد إضافي أيضاً الجهود الرامية إلى الحفاظ على حركة شحن الحبوب عبر البحر الأسود، في وقت تلعب فيه تركيا دوراً في الوساطة والمساعي الرامية إلى حماية تدفقات التجارة في المنطقة.
وقالت شركة «سي آر إم أغري كوموديتيز» في مذكرة يوم الجمعة إن جهود الوساطة التركية قد تتمكن في نهاية المطاف من استعادة حركة الشحن، لكن التوصل إلى اتفاق قد يستغرق عدة أشهر.
وأضافت الشركة أن إحراز تقدم في هذا المسار من شأنه إزالة جزء من علاوة المخاطر المضافة إلى أسعار القمح، في حين أن استمرار الاضطرابات سيقدم دعماً للأسعار.
وتعكس هذه الرؤية طبيعة تحركات سوق القمح حالياً؛ فالسعر لا يتأثر فقط بحجم المحصول العالمي أو الطلب على الحبوب، وإنما أيضاً بقدرة الدول المنتجة والمصدرة على نقل إنتاجها إلى الأسواق العالمية في الوقت المناسب.
المخاطر الجيوسياسية تضيف علاوة إلى أسعار الحبوب
ويظل البحر الأسود محوراً رئيسياً في سوق القمح العالمية، لذلك فإن أي تهديد للبنية الأساسية أو الموانئ أو طرق الشحن قد يرفع تكلفة نقل الحبوب أو يؤخر وصولها إلى المستوردين، حتى في حال استمرار توافر الإنتاج.
وتأتي هذه المخاطر في وقت تراقب فيه الأسواق العالمية عن كثب تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، نظراً إلى تأثيرها المستمر على تجارة الحبوب والطاقة والأسمدة منذ اندلاع الحرب.
وبالنسبة للدول المستوردة للقمح، فإن استمرار الاضطرابات قد يعني ارتفاع تكاليف الاستيراد، وهو ما يمكن أن ينتقل بصورة غير مباشرة إلى أسعار الدقيق والخبز وغيرها من المنتجات الغذائية، خصوصاً في الاقتصادات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات لتلبية احتياجاتها.
في المقابل، فإن أي انفراجة في حركة التجارة عبر البحر الأسود أو نجاح جهود الوساطة في تأمين الشحنات قد يدفع المتعاملين إلى تقليص علاوة المخاطر، ما قد يخفف الضغوط على أسعار العقود الآجلة للقمح.
وبذلك تظل تحركات القمح في الفترة المقبلة مرتبطة إلى حد كبير بمسار الحرب وقدرة الأطراف المعنية على الحفاظ على ممرات التجارة في البحر الأسود، إلى جانب العوامل الأساسية المعتادة مثل الإنتاج العالمي والطلب ومخزونات الحبوب.