من الكهرباء إلى الدولارات الرقمية.. القصة الخفية وراء طفرة تعدين البيتكوين
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل 4 ساعات
آخر تعديل: قبل ساعة
قفزة قياسية في تعدين العملات المشفرة منذ حرب روسيا وأوكرانيا (شترستوك)
قفزة قياسية في تعدين العملات المشفرة منذ حرب روسيا وأوكرانيا (شترستوك)
منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في أواخر فبراير شباط 2022، تضاعفت القوة الحاسوبية المخصصة لتعدين البيتكوين عالمياً نحو أربع مرات، في تحول يعكس طفرة في الاستثمار بالطاقة والحوسبة، لكنه يكشف أيضاً عن وظيفة جيوسياسية جديدة للعملات المشفرة، وهي تحويل الكهرباء المحلية إلى أصل رقمي قابل للنقل عبر الحدود من دون المرور بالضرورة بالنظام المصرفي التقليدي.
كانت قوة شبكة البيتكوين قد سجلت مستوى قياسياً آنذاك بلغ نحو 248 إكساهاش في الثانية في فبراير شباط 2022، وفق مركز كامبريدج للتمويل البديل.
وبحلول أواخر سبتمبر أيلول 2026، بلغ متوسطها لـ30 يوماً نحو 948 إكساهاش، بحسب (Hashrate Index)، أي زيادة تقارب 282% أو نحو 3.8 مرة، وكان المعدل قد تجاوز 1.06 زيتاهاش في أواخر 2025 قبل أن يتراجع مع انخفاض ربحية التعدين، وفق مركز أبحاث (Cambridge Judge Business School).
استهلاك الكهرباء يرتفع أبطأ من قوة التعدين
لم تتحول القفزة الحاسوبية إلى زيادة مماثلة في استهلاك الطاقة، بفضل أجهزة تعدين أكثر كفاءة، حيث قدّرت كامبريدج استهلاك البيتكوين بنحو 95.5 تيراواط/ساعة في 2022، قبل أن يصل تقديرها السنوي إلى 138 تيراواط/ساعة بحلول منتصف 2024، ما يعادل نحو 0.54% من استهلاك الكهرباء العالمي، بزيادة تقارب 45%.
وتحسنت كفاءة أجهزة (ASIC) بنحو 24% على أساس سنوي في أحدث دراسة شاملة للمركز.
وتقدم وكالة الطاقة الدولية (IEA Blob Storage) مقياساً أوسع يشمل العملات المشفرة عموماً؛ إذ قدرت استهلاك القطاع بنحو 110 تيراواط/ساعة في 2022، وتوقعت في سيناريوها الأساسي ارتفاعه بأكثر من 40% إلى نحو 160 تيراواط/ساعة في 2026.
وتظل الأرقام تقديرية، خصوصاً بعد انتقال إيثريوم في 2022 إلى نظام لا يعتمد على التعدين كثيف الطاقة.
وبحسب خبراء في أسواق الكريبتو فإن أحد أكثر التحولات لفتاً للانتباه جرى في إثيوبيا؛ فقد رفع سد النهضة، الذي دخل كامل قدرته التشغيلية البالغة 5150 ميغاواط في 2025، قدرة البلاد على إنتاج الكهرباء إلى مستويات غير مسبوقة، وفتح الباب أمام بيع الطاقة الرخيصة لمراكز بيانات وشركات تعدين أجنبية، وفق رويترز.
ولا تحصل شركات التعدين تحصل بالضرورة على خط كهرباء مخصص مباشرة من توربينات السد، لكنها تشتري الكهرباء من الشبكة الإثيوبية التي أصبح سد النهضة أكبر مصادرها.
وحصلت أكثر من 25 شركة على موافقات منذ 2023، وكان نحو 11 منها يعمل بالفعل بحلول مارس 2025، مستخدماً أكثر من 600 ميغاواط ونحو 200 ألف جهاز تعدين، وفق تقرير (BitcoinBirr) عن الصناعة الإثيوبية.
وتشير تقديرات (Hashrate Index) الأحدث إلى أن إثيوبيا امتلكت في الربع الثالث من 2026 نحو 23 إكساهاش في الثانية، أو 2.4% من التعدين العالمي، بزيادة 35% خلال عام، لتصبح ثامن أكبر مركز تعدين مقدر في العالم.
ونحو عشرين شركة تعدين كانت تشتري الكهرباء بسعر ثابت بالدولار وتستهلك في مرحلة من 2025 ما يقارب ثلث الكهرباء المنتجة في البلاد، فيما دفعت الانتقادات المتعلقة بأولوية إمدادات المواطنين أديس أبابا إلى الحد من التوسع الجديد. وتقول بيانات نقلها مركز الدراسات الأفريقية بجامعة (NTU) عن شركة الكهرباء الحكومية إن القطاع وفر لها نحو 55 مليون دولار في عام واحد تقريباً، وهي إيرادات مهمة لاقتصاد يعاني نقص العملة الأجنبية.
روسيا: الكهرباء تتحول إلى أصل يتجاوز البنوك
ويقول خبراء أسواق الكريبتو، إنه لا تعني القفزة العالمية أن حرب أوكرانيا هي السبب الرئيسي لنمو التعدين؛ فالأسعار، وتطور الشرائح، وهجرة المعدّنين بعد الحظر الصيني عوامل أكثر مباشرة. لكن العلاقة مع الحرب تصبح أوضح داخل روسيا.
كانت روسيا تمثل 4.66% فقط من قوة تعدين البيتكوين عالمياً في يناير 2022 وفق كامبريدج، بينما يضعها مؤشر (Hashrate Index) في المركز الثاني عالمياً في منتصف 2026 بحصة مقدرة تبلغ 17.2%، أو 162 إكساهاش، وهذه تقديرات وليست إحصاءات حكومية قابلة للمقارنة التامة، بسبب صعوبة تحديد المواقع الفعلية لأجهزة التعدين، وفق مركز كامبريدج.
وفي 2024 شرعت موسكو التعدين رسمياً وسمحت باستخدام العملات الرقمية في تسويات التجارة الخارجية.
وقال وزير المالية أنطون سيلوانوف لاحقاً إن بيتكوين جرى تعدينها داخل روسيا تُستخدم بالفعل في معاملات عبر الحدود، بعدما جعلت العقوبات المدفوعات مع الصين وتركيا وغيرها أكثر صعوبة.
وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد استبقت هذا الاتجاه منذ أبريل 2022 عندما فرضت عقوبات على BitRiver، معتبرة أن التعدين يتيح لروسيا «تحويل مواردها الطبيعية إلى قيمة مالية»، وفق رويترز.
العملات المشفرة تموّل الحرب.. لكنها ليست «غير مراقبة»
ويشير الخبراء إلى أن العملات المشفرة ليست أموالاً غير قابلة للمراقبة، فالسجلات العامة للبلوك تشين تجعل كثيراً من التحويلات قابلة للتتبع، لكنها تسمح بنقل السيولة خارج قنوات البنوك المراسلة التقليدية، ما يمنح الدول والكيانات الخاضعة للعقوبات أدوات إضافية للتجارة والتمويل.
وتقدر مؤسسة (Chainalysis) للأبحاث المتخصصة في العملات الرقمية المشفرة، أن الكيانات الخاضعة للعقوبات شهدت قفزة بنحو 694% في قيمة العملات المشفرة المستلمة خلال 2025، فيما عالجت العملة الروسية المدعومة بالروبل A7A5 أكثر من 93 مليار دولار في أقل من عام.
وفي الوقت نفسه، قدرت شركة (TRM Labs) المتخصصة في استخبارات وتحليلات البلوك تشين، إجمالي التدفقات المشفرة غير المشروعة عالمياً بنحو 158 مليار دولار في 2025، لكنها لم تتجاوز نحو 1.2% من إجمالي النشاط المشفر، ما يحول دون مساواة القطاع كله بتمويل العقوبات أو الحروب.
ويضيف خبراء أسواق العملات الرقمية المشفرة أن التحول منذ 2022 ليس مجرد «طفرة تعدين»؛ فالدول الغنية بالطاقة تستطيع اليوم تحويل الكهرباء إلى أصل دولي سريع السيولة؛ إثيوبيا تستخدمه للحصول على الدولارات من صادرات الكهرباء الرقمية، بينما أظهرت روسيا كيف يمكن أن يتحول البيتكوين المُعدَّن محلياً إلى أداة للتجارة في اقتصاد تحاصره العقوبات. الفرق بين الحالتين هو ما يجعل التعدين مسألة طاقة وسياسة نقدية وجغرافيا سياسية في آن واحد.