عوائد السندات تتحدى الفيدرالي.. كيف تحاول واشنطن احتواء تكلفة الدين؟
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعتين
آخر تعديل: قبل ساعة
مقر الفيدرالي الأميركي (شترستوك)
مقر الفيدرالي الأميركي (شترستوك)
بدأت واشنطن تواجه مشكلة أكثر تعقيداً من تحديد سعر الفائدة، وهي كيف يمكن تمويل دين تجاوز 40 تريليون دولار عندما يطالب المستثمرون بعائد أعلى للاحتفاظ به؟
ويأتي ذلك مع عودة عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.32% في تداولات الاثنين 5 أكتوبر تشرين الأول، بعد أن سجل 5.342% في الأول من أكتوبر تشرين الأول، أعلى مستوى منذ 2002.
وبحسب خبراء أسواق المال فإن الإجابة لا تعني أن الولايات المتحدة انتقلت رسمياً إلى «التحكم في العوائد» بدلاً من التحكم في سعر الفائدة من قبل الفيدرالي الأميركي، لكنها تشير إلى تحول تدريجي، حيث إدارة هيكل الدين أصبحت جزءاً متزايد الأهمية من إدارة الظروف المالية نفسها، بعدما صار الطرف الطويل من منحنى العائد يتحرك بقوى تتجاوز سعر الفائدة الذي يحدده الفيدرالي.
السوق لم تعد تستجيب للفيدرالي وحده
تقليدياً، يعكس العائد طويل الأجل توقعات المستثمرين لمسار الفائدة القصيرة مستقبلاً، إضافة إلى ما يعرف بـ«علاوة الأجل» التي يطلبها المستثمر لتحمل مخاطر الاحتفاظ بسند طويل.
لكن بنك التسويات الدولية (BIS) قال في سبتمبر أيلول إن صعود العوائد الأميركية الطويلة يعكس أيضاً ارتفاع علاوة الأجل المرتبطة بالضغوط المالية واستدامة الدين، وليس توقعات الفائدة والتضخم وحدها.
وقدر أن ارتفاع علاوة الأجل شكّل نحو 40% من إحدى موجات صعود العائد على السندات الأميركية لأجل عشر سنوات خلال الصيف.
وهنا تكمن المشكلة، وهي أن الفيدرالي يستطيع التحكم مباشرة في سعر الفائدة القصير، لكنه لا يستطيع إجبار المستثمرين على شراء سندات عشرية أو ثلاثينية بسعر معين ما لم يتدخل في السوق نفسها.
بلغ إجمالي الدين العام الأميركي نحو 40.26 تريليون دولار في الأول من أكتوبر تشرين الأول، وفق بيانات وزارة الخزانة، بينما يقدّر مكتب الموازنة في الكونغرس (CBO) أن الدين الذي يحمله الجمهور بلغ نحو 101% من الناتج المحلي في 2026.
الأكثر حساسية أن مكتب الموازنة في الكونغرس يتوقع وصول صافي مدفوعات الفائدة إلى نحو تريليون دولار في 2026، أو 3.3% من الناتج، قبل أن تتضاعف تقريباً إلى 2.1 تريليون دولار في 2036.
وفي تقديرات رويترز، تستنزف خدمة الدين بالفعل ما يقارب خُمس الإيرادات الضريبية الفيدرالية.
ويقول خبراء أسواق المال إن كل ارتفاع دائم في تكلفة إعادة التمويل يعني بالتالي انتقال جزء متزايد من الموازنة من الإنفاق الحكومي إلى حملة السندات.
الأذون القصيرة.. تخفيف الضغط اليوم وترحيله إلى الغد
ويرى الخبراء أن أحد الخيارات أمام وزارة الخزانة هو الاعتماد بصورة أكبر على أذون الخزانة قصيرة الأجل بدلاً من زيادة إصدارات السندات الطويلة، وهو ما يسمح بتجنب إغراق السوق بكميات أكبر من ديون عشرية وثلاثينية قد ترفع العوائد أكثر.
وتُظهر خطة التمويل الحالية أن الخزانة تحتفظ بمرونة تعديل أحجام مزادات الأذون لمواجهة احتياجات الاقتراض المتغيرة، لكن الاستراتيجية تحمل مفارقة واضحة: تقصير آجال الدين يقلل الضغط على العائد الطويل الآن، لكنه يزيد مخاطر إعادة التمويل لاحقاً، فإذا ظلت الفائدة مرتفعة، يتعين تجديد كميات ضخمة من الدين بوتيرة أسرع وبأسعار أعلى.
وحذر صندوق النقد الدولي هذا العام من أن ارتفاع الدين والاعتماد الأكبر على الاقتراض قصير الأجل يزيدان مخاطر إعادة التمويل حتى في أسواق السندات السيادية الكبرى.
من إعادة شراء السندات إلى (Operation Twist)
بدأت الخزانة بالفعل استخدام أداة أخرى: إعادة شراء السندات القديمة والأقل سيولة.
وفي أغسطس رفعت الحد الأقصى لعمليات إعادة شراء بعض السندات طويلة الأجل من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، مؤكدة أن الهدف دعم السيولة وليس تحديد مستوى للعائد.
ويرى خبراء استطلعت رويترز آراءهم أن استمرار الضغوط قد يعيد إلى النقاش أدوات أكثر قوة، بينها نسخة جديدة من (Operation Twist)، حيث يجري تقليل حيازة الديون القصيرة وزيادة شراء السندات الطويلة لخفض عوائدها.
وتشير تقديرات بحثية للفيدرالي إلى أن برنامج تمديد آجال المحفظة عام 2011 خفّض عائد السندات العشرية بنحو 20 نقطة أساس عند إطلاقه.
أما السيناريو الأكثر تطرفاً فهو التحكم في منحنى العائد (Yield Curve Control)، حيث يعلن البنك المركزي سقفاً لعائد معين ويشتري السندات بالكميات اللازمة للدفاع عنه. سبق للفيدرالي استخدام نموذج مماثل بين 1942 و1951 لخفض تكاليف تمويل الحرب، لكنه انتهى لأن هيمنة احتياجات الخزانة على السياسة النقدية هددت السيطرة على التضخم.
التضخم ليس طريقاً مجانياً للخروج من الدين
وبحسب خبراء أسواق المال فإنه نظرياً، يمكن لتضخم مرتفع أن يقلل القيمة الحقيقية للدين القديم ذي العائد الثابت.
وتصف رويترز هذا المسار باعتباره أحد أشكال «القمع المالي» التي ساعدت الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، لكن محاولة تكراره الآن قد تأتي بنتيجة عكسية؛ فإذا توقع المستثمرون أن تسمح الحكومة بتضخم أعلى لتآكل الدين، فسوف يطالبون بعوائد اسمية أعلى، لترتفع تكلفة التمويل مجدداً، كما أن الديون قصيرة الأجل والسندات المحمية من التضخم يعاد تسعيرها بسرعة أكبر.
عوائد الخزانة تصدر التشديد إلى العالم
ارتفاع عوائد الخزانة يدعم الدولار عادة ويزيد جاذبية الأصول الأميركية، وهو ما ظهر مجدداً هذا الأسبوع؛ إذ قالت رويترز إن الدولار صعد بالتوازي مع وصول عائد العشر سنوات إلى نحو 5.32%.
والنتيجة هي تشديد مالي مستورد للأسواق الناشئة، حيث إن تكلفة أعلى للديون الدولارية، وضغوط على العملات وتدفقات المحافظ.
وحذر صندوق النقد من أن ارتفاع الدولار والفائدة العالمية يمكن أن يؤدي إلى إعادة تسعير سريعة لأصول الأسواق الناشئة، خصوصاً الاقتصادات الأكثر اعتماداً على التمويل الخارجي.
وبحسب خبراء أسواق المال، تستطيع الخزانة تعديل توقيت الإصدارات وآجالها وإعادة شراء السندات لتحسين سيولة السوق، ويستطيع الفيدرالي ـإذا اضطرـ تغيير تركيبة ميزانيته أو شراء السندات الطويلة. لكن لا توجد أداة مالية قادرة بصورة دائمة على إلغاء أثر عجز كبير ودين متصاعد.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت واشنطن تستطيع إدارة العوائد، بل إلى أي مدى يمكنها فعل ذلك قبل أن ترى السوق في التدخل اعترافاً بأن تكلفة الدين أصبحت نفسها قيداً على السياسة النقدية والمالية الأميركية.