يدرس الاتحاد الأوروبي فرض ضريبة جديدة على الشركات الكبرى العاملة في دول التكتل، في خطوة قد تسمح لبروكسل بزيادة إيراداتها من شركات التكنولوجيا الأميركية العملاقة، من دون فرض ضريبة تستهدف قطاع الخدمات الرقمية بصورة مباشرة، في محاولة لتجنب تصعيد جديد مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وتبحث المفوضية الأوروبية سبل تعديل مقترح ضريبي قائم بحيث يشمل الشركات الكبرى بمختلف قطاعاتها، بدلاً من التركيز على شركات الخدمات الرقمية، وفقاً لما نقلته «فاينانشال تايمز» عن 6 مسؤولين مطلعين على المناقشات.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تتفاوض فيه دول الاتحاد الأوروبي على الموازنة المشتركة للتكتل، بينما تواجه الحكومات قيوداً على الإنفاق في الداخل، ما يزيد الضغوط للعثور على مصادر جديدة للإيرادات على مستوى الاتحاد الأوروبي.
ضريبة أوسع لتفادي استهداف شركات التكنولوجيا الأميركية
وتدرس المفوضية الأوروبية إدخال تعديلات على مقترح قائم يُعرف باسم «المورد المؤسسي لأوروبا»، ويقضي في صيغته الحالية بإلزام جميع الشركات العاملة في الاتحاد الأوروبي، التي تتجاوز إيراداتها 100 مليون يورو سنوياً، بدفع مساهمة ضريبية سنوية مقطوعة.
ورغم أن المقترح يشمل شركات الخدمات الرقمية التي لديها شركات تابعة داخل الاتحاد الأوروبي، فإن تصميمه الحالي قد لا يحقق إيرادات كبيرة من الشركات متعددة الجنسيات، إذ سيحصل الاتحاد على جزء محدود نسبياً من أرباح تلك الشركات.
وبحسب المسؤولين المطلعين على المناقشات، فإن تعديل حدود الإيرادات وقيمة المساهمة بحيث تركز الضريبة على
الشركات الكبرى فقط يمكن أن يزيد الإيرادات المحصلة من مجموعات التكنولوجيا، وفي الوقت نفسه يقلل الاعتراضات داخل أوروبا على المقترح الحالي، الذي قد يفرض أعباء إضافية على عدد كبير من الشركات الأوروبية متوسطة الحجم.
وقال مسؤول أوروبي إن بعض عواصم الاتحاد تعارض فرض ضريبة رقمية خالصة لأنها لا تريد إثارة غضب الولايات المتحدة، بينما تعارض دول أخرى المقترح الحالي، مضيفاً أن الحل المطروح يتمثل في توسيع نطاق الضريبة لتشمل «تقريباً جميع الشركات الكبرى».
ولا تزال تفاصيل المقترح المعدل قيد النقاش، لكن المسؤولين أوضحوا أن الضريبة الجديدة ستشمل الشركات بمختلف قطاعاتها، وليس الشركات المتخصصة في الخدمات الرقمية فقط.
60 مليار يورو سنوياً لخزانة الاتحاد
وتُعد ضريبة «المورد المؤسسي لأوروبا» واحدة من 5 موارد جديدة مقترحة لتمويل موازنة الاتحاد الأوروبي، ومن المتوقع أن تجمع هذه الموارد مجتمعة نحو 60 مليار يورو سنوياً للموازنة المشتركة بدءاً من عام 2028.
لكن المقترح يواجه معارضة قوية من غالبية دول الاتحاد الأوروبي، التي ترى أن فرض مساهمة موحدة قد يضع بعض الشركات الأوروبية متوسطة الحجم في وضع أكثر صعوبة مقارنة بالمنافسين الأجانب.
ويرى مسؤولون أن رفع الحد الأدنى لحجم الشركات الخاضعة للضريبة واستبعاد الشركات متوسطة الحجم قد يزيد عدد الدول المستعدة لدعم المقترح، إلا أن أي تغيير في النظام يحتاج إلى موافقة الدول الأعضاء الـ27.
ورفضت المفوضية الأوروبية التعليق على تفاصيل المناقشات، لكنها قالت إنها مستعدة لدعم مجلس الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي في التوصل إلى اتفاق بشأن حزمة الموارد الجديدة خلال العام الحالي، مشيرة إلى أن الحزمة ضرورية لضمان تمويل الأولويات المشتركة للاتحاد خلال العقد المقبل.
خلاف ضريبة الشركات الرقمية يعود إلى الواجهة
وتأتي المناقشات الجديدة بعد تعثر الجهود العالمية لفرض ضرائب أكبر على الشركات متعددة الجنسيات، خصوصاً شركات التكنولوجيا الكبرى.
وكانت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية قد توسطت في عام 2021 للتوصل إلى اتفاق يلزم الشركات متعددة الجنسيات الكبرى بدفع مزيد من الضرائب في الدول التي تحقق فيها مبيعاتها، لكن الاتفاق واجه عقبات بعد إعادة انتخاب ترامب رئيساً للولايات المتحدة في 2024، وفقاً لمسؤول أوروبي وصف الاتفاق بأنه أصبح عملياً «ميتاً».
وكان الاتحاد الأوروبي قد أوقف مؤقتاً تشريعاً لفرض ضريبة موحدة على الخدمات الرقمية في دول التكتل، بهدف إتاحة المجال أمام تطبيق الاتفاق العالمي، لكنه لا يزال حذراً من أي نظام ضريبي قد يُنظر إليه على أنه يستهدف شركات التكنولوجيا الرقمية الأميركية بشكل مباشر.
وتزداد حساسية الملف مع تهديد واشنطن بالرد على الدول التي تفرض ضرائب على الخدمات الرقمية، إذ تطبق فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والنمسا بالفعل ضرائب رقمية على المستوى الوطني، وواجهت هذه الدول تحقيقات أميركية بموجب المادة 301، التي يمكن أن تمهد لاتخاذ إجراءات تجارية انتقامية.
وبذلك تحاول بروكسل الموازنة بين هدفين متعارضين: زيادة موارد موازنة الاتحاد من الشركات الكبرى في ظل ضغوط الإنفاق، وتجنب تصميم ضريبة تستهدف شركات التكنولوجيا الأميركية بصورة مباشرة بما قد يزيد التوتر التجاري مع واشنطن.