لماذا خفض العراق قيمة الدينار أمام الدولار؟ وما مصير السوق السوداء؟

خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي (أ ف ب)
قيمة الدينار أمام الدولار
خفض قيمة الدينار العراقي أمام الدولار الأميركي (أ ف ب)

حين يتحرك سعر الصرف، يتحرك معه كل شيء في الاقتصاد؛ فقد قرر البنك المركزي العراقي خفض قيمة الدينار أمام الدولار الأميركي، ليصل السعر الرسمي إلى 1520 ديناراً.

ووصف المركزي القرار بأنه جزء من إصلاحات اقتصادية تستهدف إعادة التوازن للسياسة النقدية، ودعم الإنتاج المحلي، وتخفيف الضغوط على الموازنة العامة.

ما أسعار صرف الدولار الجديدة في العراق؟

بموجب القرار الجديد، أصبحت أسعار صرف الدولار في العراق عند المستويات التالية:

1500 دينار للدولار وفق السعر المعتمد لوزارة المالية.

1510 دنانير للدولار سعر البيع للمصارف.

1520 ديناراً للدولار سعر البيع النقدي للجمهور.

ويمثل ذلك خفضاً لقيمة الدينار مقارنة بالسعر السابق البالغ نحو 1300 دينار للدولار، ما يعني أن الحصول على الدولار أصبح يتطلب عدداً أكبر من الدنانير.

وقال البنك المركزي العراقي إن تعديل سعر الصرف جاء استناداً إلى قرار مجلس الوزراء الصادر في 6 أكتوبر 2026، في إطار مجموعة من الإجراءات ذات الصلة بالمتطلبات المالية والاقتصادية والنقدية.

لماذا خفض العراق قيمة الدينار؟

يرتبط قرار خفض قيمة الدينار بمجموعة من الأهداف الاقتصادية، أبرزها التعامل مع الضغوط التي تواجه إيرادات الدولة واحتياجاتها التمويلية، وتحسين قدرة الاقتصاد المحلي على المنافسة.

وأوضح مدير دائرة الإحصاء في البنك المركزي العراقي، سمير الوائلي، أن تعديل سعر الصرف من 1300 إلى 1500 دينار للدولار يأتي ضمن حزمة من الإصلاحات الاقتصادية والمالية فرضتها ظروف استثنائية أثرت في إيرادات الدولة واحتياجاتها التمويلية.

ويستهدف القرار، وفق البنك المركزي، تحقيق قدر أكبر من التوازن في الاقتصاد الكلي والحفاظ على الاستقرار النقدي والمصرفي، بالتزامن مع إجراءات لتحفيز القطاع الخاص والإنتاج المحلي.

ما تأثير خفض الدينار على إيرادات النفط والمالية العامة؟

يمثل ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار مكسباً مالياً قصير الأجل للحكومة العراقية، خصوصاً أن الجزء الأكبر من إيرادات الدولة يأتي من صادرات النفط المسعرة بالدولار.

وقال لي حمودي، مستشار لدى البنك الإسلامي العراقي للاستثمار والتنمية والرئيس التنفيذي لشركة ATA Global Horizons، في تصريحات لـCNN الاقتصادية، إن خفض قيمة العملة «يمنح العراق ميزة مالية قصيرة الأجل من خلال زيادة قيمة إيرادات النفط المقومة بالدولار عند تحويلها إلى الدينار».

وأضاف حمودي أن هذا الإجراء «قد يساعد في تمويل الرواتب والالتزامات المحلية»، لكنه «لا يعالج المشاكل المالية الهيكلية التي تعاني منها البلاد».

وتعني هذه الآلية أن كل دولار من الإيرادات النفطية سيُحوّل إلى عدد أكبر من الدنانير بعد تعديل سعر الصرف، وهو ما قد يخفف ضغوط تمويل الإنفاق المحلي على المدى القصير.

لكن هذا الأثر المالي لا يعني بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي بصورة مستدامة، إذ يظل العراق معرضاً لتقلبات أسعار النفط وحجم صادراته، في ظل اعتماد المالية العامة بدرجة كبيرة على العائدات النفطية.

ماذا يعني خفض الدينار للمستثمرين الأجانب؟

لا يقتصر تأثير سعر الصرف على المالية العامة والأسعار المحلية، بل يمتد إلى قرارات المستثمرين الأجانب، خصوصاً في ما يتعلق بتحويل الأرباح والحصول على العملة الأجنبية.

وقال حمودي إن «المسألة الحاسمة» بالنسبة للمستثمرين الأجانب ستكون قدرة العراق على «توفير أسعار يمكن التنبؤ بها، وضمان الحصول على الدولار بشكل موثوق، وإتاحة إمكانية تحويل الأرباح إلى الخارج».

وأشار إلى أن العراق يحتاج إلى «إطار عمل موثوق لسعر الصرف، وقنوات مصرفية أكثر قوة، وانضباط في التمويل النقدي، وتقليص تدريجي للاعتماد على إيرادات النفط».

وتبرز هذه النقطة أهمية استقرار السياسة النقدية إلى جانب مستوى سعر الصرف نفسه، إذ قد يؤدي تكرار التعديلات أو اتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي إلى زيادة مخاطر الاستثمار ورفع تكلفة التعاملات بالعملة الأجنبية.

كيف تغير سعر صرف الدينار العراقي منذ 2003؟

لم يكن قرار 2026 الأول من نوعه منذ تغيير النظام السياسي عام 2003، إذ شهد سعر الصرف تحولات عدة مرتبطة بالأوضاع المالية وإيرادات النفط.

ففي أواخر عام 2003 تجاوز الدولار 1900 دينار بعد إصدار العملة الجديدة، ثم تراجع تدريجياً خلال عام 2004 إلى نحو 1460 ديناراً للدولار، قبل أن يستقر قرب 1166 ديناراً للدولار بحلول عام 2012.

ومع تداعيات جائحة كورونا وانهيار أسعار النفط عام 2020، خفّض البنك المركزي قيمة الدينار إلى 1450 ديناراً للدولار لوزارة المالية و1470 ديناراً للبيع للجمهور.

وبعد تحسن الإيرادات النفطية، رُفعت قيمة الدينار في فبراير 2023 إلى 1300 دينار للدولار لوزارة المالية و1320 ديناراً للمستفيد النهائي.

ثم عادت الضغوط المالية مجدداً في 7 أكتوبر 2026، ليقفز الدولار إلى 1500 دينار لوزارة المالية و1520 ديناراً للجمهور.

ماذا يحدث لسعر الدولار في السوق السوداء بالعراق؟

يبقى نجاح قرار خفض قيمة الدينار مرهوناً بأكثر من حسابات الموازنة، فالعراق يعيش منذ سنوات على سعرين للدولار؛ سعر رسمي توفره المؤسسات المالية وفق ضوابط البنك المركزي العراقي، وسعر موازٍ يتحدد في أسواق الصرف أو ما يُعرف بالسوق السوداء.

وقد اتسعت الفجوة بين السعرين بعد تشديد قواعد التحويلات الخارجية ومتطلبات الامتثال المصرفي ضمن خطط الإصلاح التي انتهجها البنك المركزي، وهو ما أبقى جزءاً كبيراً من الطلب على الدولار خارج القنوات الرسمية، وأفرز سوقاً موازية نشطة يصعب احتواؤها بالقرارات الإدارية وحدها.

وأشار حمودي إلى أن سعر الصرف في السوق الموازية، الذي يتجاوز 1700 دينار عراقي للدولار، يعكس أن «القضية الجوهرية تكمن في الثقة ومدى توفر العملة الصعبة، وليس مجرد سعر الصرف الرسمي».

وبالتالي، فإن رفع السعر الرسمي للدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً لا يعني بالضرورة اختفاء السوداء، فقد أظهرت الساعات الأولى لتطبيق القرار استمرار الفجوة بين السعرين؛ إذ تجاوز سعر الدولار في بعض الأسواق 170 ألف دينار لكل 100 دولار، فيما علّقت بعض مكاتب الصرافة في محافظة أربيل شمالي العراق عمليات البيع وسط حدة التقلبات، مقارنةً بالسعر الرسمي البالغ 152 ألف دينار لكل 100 دولار.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة