أرباح الرقائق تقفز والأسهم تتراجع.. هل بدأت الأسواق تشكك في اقتصادات طفرة الذكاء الاصطناعي؟
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعة
آخر تعديل: قبل 54 دقيقة
بورصة نيويورك في وول ستريت (شترستوك)
بورصة نيويورك في وول ستريت (شترستوك)
تتسع فجوة غير مألوفة في أسواق التكنولوجيا العالمية؛ فبينما تحقق شركات أشباه الموصلات أرباحاً وإيرادات قياسية بفضل الطلب المتسارع على الذكاء الاصطناعي تتراجع أسهمها تحت ضغط ارتفاع عوائد السندات والمخاوف من تضخم الإنفاق الرأسمالي، في إشارة إلى أن المستثمرين بدؤوا يطرحون سؤالاً يتجاوز حجم المبيعات، وهو من سيحقق عائداً كافياً لتبرير تريليونات الدولارات التي تُضخ في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي؟
تراجعت أسهم سامسونغ للإلكترونيات بنسبة 2.4% خلال تعاملات الخميس 8 أكتوبر، رغم توقع الشركة ارتفاع أرباحها التشغيلية الفصلية بنسبة 783%، فيما هبط سهم شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات «TSMC» بنسبة 1.35% بعد إعلان إيرادات فصلية قياسية، وفق رويترز.
وبحسب خبراء أسواق المال فلا تعني هذه المفارقة بالضرورة تباطؤ الطلب على الرقائق، لكنها تكشف تحولاً محتملاً في طريقة تقييم المستثمرين لطفرة الذكاء الاصطناعي، من مكافأة النمو السريع في الإيرادات إلى اختبار قدرة الشركات على تحويل الإنفاق الضخم إلى تدفقات نقدية وأرباح مستدامة.
أرباح قياسية لم تعد تكفي لرفع الأسهم
توقعت سامسونغ تحقيق أرباح تشغيلية تبلغ 107.4 تريليون وون، (ما يعادل نحو 80.17 مليار دولار)، خلال الربع الثالث من 2026، مقارنة بنحو 12.17 تريليون وون قبل عام، متجاوزة متوسط تقديرات المحللين البالغ 106.1 تريليون وون، وفق بيانات مجموعة بورصات لندن «LSEG» التي نقلتها رويترز.
وتعكس هذه القفزة ارتفاع أسعار رقائق الذاكرة التقليدية، إلى جانب الطلب المتزايد على الذاكرة عالية النطاق الترددي «HBM» المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي، كما تتوقع الشركة ارتفاع إيراداتها الفصلية بنسبة 127% إلى 195 تريليون وون.
أما (TSMC)، أكبر شركة لتصنيع الرقائق لحساب الغير، فسجلت إيرادات فصلية بلغت 1.49 تريليون دولار تايواني، تعادل نحو 46.7 مليار دولار، بزيادة سنوية قدرها 50%، متجاوزة التوقعات البالغة 1.46 تريليون دولار تايواني.
ورغم هذه النتائج، تُظهر استجابة الأسواق أن تجاوز توقعات الأرباح لم يعد ضمانة لارتفاع الأسهم، خصوصاً عندما تكون التقييمات قد استوعبت مسبقاً سنوات من النمو الاستثنائي.
لماذا تخسر الأسهم رغم تضاعف الأرباح؟
يقول خبراء أسواق المال لرويترز إن المشكلة تكمن في الاختلاف بين الأداء التشغيلي الحالي والقيمة المستقبلية التي يدفع المستثمرون مقابلها اليوم؛ فأسعار الأسهم لا تعكس الأرباح المحققة وحدها، بل القيمة الحالية للتدفقات النقدية المتوقعة خلال السنوات المقبلة. وكلما ارتفعت الفائدة المطلوبة من المستثمرين، انخفضت القيمة الحالية لهذه التدفقات، حتى لو استمرت الشركات في تسجيل نمو قوي.
وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات إلى نحو 5.33% الخميس، بعدما لامس 5.36%، أعلى مستوى في 24 عاماً.
وتزيد العوائد المرتفعة جاذبية السندات مقارنة بالأسهم، كما ترفع معدل الخصم المستخدم في تقييم الشركات مرتفعة النمو.
وتضاعفت الضغوط مع صعود أسعار النفط ومخاوف التضخم؛ إذ تراجع مؤشر كوسبي الكوري الجنوبي بنسبة 2.6%، وانخفض نيكي الياباني 1.4%، بينما تعرضت الأسهم الأوروبية لموجة بيع واسعة.
وبالتالي، فإن تراجع أسهم الرقائق لا يمثل حكماً منفرداً على مستقبل الذكاء الاصطناعي، بل يعكس أيضاً إعادة تسعير للأصول الخطرة في بيئة تمويل أكثر تشدداً.
لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي تعتمد فقط على السيولة المتاحة لدى شركات التكنولوجيا؛ إذ بدأت تتحول إلى دورة اقتراض ضخمة لتمويل شراء الرقائق وتشييد مراكز البيانات.
وكشفت وول ستريت جورنال أن برودكوم وأوراكل وسبيس إكس تسعى إلى ترتيبات تمويل بمليارات الدولارات، بينها نحو 50 مليار دولار لبرودكوم، وخطة لسبيس إكس لجمع 40 مليار دولار، موزعة بين 30 مليار دولار من السندات و10 مليارات من القروض المصرفية.
ونقلت فايننشال تايمز ارتفاع تكلفة التأمين ضد تعثر سبيس إكس لخمس سنوات إلى 194 نقطة أساس، مقابل 110 نقاط في يونيو، ما يعكس تنامي قلق المستثمرين حيال مخاطرها الائتمانية.
وتشير هذه التطورات إلى انتقال جزء من مخاطر الذكاء الاصطناعي من مساهمي الشركات إلى حاملي سنداتها ومقرضيها، في وقت تتنافس فيه الشركات والحكومات على التمويل وسط ارتفاع العوائد.
مبيعات الرقائق ليست أرباحاً لمراكز البيانات
يرى خبراء أسواق المال أن ثمة اختلاف جوهري بين الاقتصاديات المالية لمصنعي الرقائق ومشتريها؛ فشركات مثل إنفيديا وسامسونغ و(TSMC) تحقق إيرادات من بيع المكونات والخدمات التصنيعية، بينما يتعين على مشغلي مراكز البيانات استرداد استثماراتهم تدريجياً من تأجير القدرة الحاسوبية وبيع خدمات الذكاء الاصطناعي.
وتشمل تكاليف المشغلين شراء الأجهزة والكهرباء والتبريد والصيانة والفوائد، فضلاً عن مخاطر تقادم الرقائق مع ظهور أجيال أحدث.
وهكذا، يمكن أن يواصل موردو الرقائق تحقيق أرباح قياسية حتى مع انخفاض العائد المتوقع على رأس المال لدى عملائهم، قبل أن ينعكس أي تباطؤ لاحق في الإنفاق على سلسلة التوريد.
هل تسعّر الأسواق نمواً يصعب تجاوزه؟
بحسب رويترز، تتوقع بيانات LSEG ارتفاع أرباح شركات مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 30.6% خلال الربع الثالث، مدفوعة خصوصاً بقطاعي التكنولوجيا والطاقة.
لكن مايك مولاني، الاستراتيجي لدى «بوسطن بارتنرز»، شكك في اتساق التقييمات مع الإنفاق الرأسمالي المتوقع على الذكاء الاصطناعي، والذي أشار إلى تقديرات بتجاوزه 10 تريليونات دولار لدى شركات الحوسبة العملاقة.
وتكشف هذه المخاوف أن استمرار نمو الأرباح قد لا يكون كافياً لدعم التقييمات إذا ارتفعت تكلفة رأس المال أو أصبحت توقعات النمو مبالغاً فيها.
من يتحمل خسائر تباطؤ طفرة الذكاء الاصطناعي؟
وبحسب الخبراء، فإذا تباطأ الطلب على مراكز البيانات، فستتوزع المخاطر بصورة غير متساوية، وقد يتحمل المشغلون أولاً انخفاض معدلات الاستخدام وضغوط التدفقات النقدية، بينما يواجه المقرضون ارتفاع مخاطر التعثر وتراجع قيمة الضمانات، أما مصنعو الرقائق فقد يتعرضون لاحقاً لتباطؤ الطلب وضغوط الأسعار.
لكن السيناريو المقابل يظل قائماً؛ إذ يمكن لنمو استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي أن يرفع الإيرادات بما يبرر الإنفاق الحالي.
وتظل النتائج القياسية لسامسونغ و(TSMC) دليلاً قوياً على الطلب الفعلي، وليست دليلاً بعد على نجاح جميع الاستثمارات المرتبطة به، وبذلك، ربما تدخل طفرة الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، لا يسأل فيها المستثمرون عن عدد الرقائق المبيعة، بل عن حجم الأرباح التي يستطيع مشتروها تحقيقها.