ديون العالم تتجاوز 100% من الناتج.. هل تدخل الأسواق عصر الفائدة المرتفعة الدائمة؟
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعتين
آخر تعديل: قبل ساعة
الاقتصاد العالمي يواجه اختباراً قد يعيد رسم خريطة التمويل لسنوات مقبلة (شترستوك)
الاقتصاد العالمي يواجه اختباراً قد يعيد رسم خريطة التمويل لسنوات مقبلة (شترستوك)
يواجه الاقتصاد العالمي اختباراً قد يعيد رسم خريطة التمويل لسنوات مقبلة، مع اقتراب الدين الحكومي من تجاوز حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، في وقت تتزامن فيه موجة الاقتراض السيادي مع ارتفاع أسعار الطاقة وتوسع الشركات في تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي.
ويعتقد خبراء الأسواق أن الخطر لم يعد مقتصراً على قدرة الحكومات على سداد ديونها، بل امتد إلى احتمال دخول الأسواق مرحلة تصبح فيها تكلفة رأس المال المرتفعة سمة هيكلية، حتى مع تباطؤ النمو الاقتصادي.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يتجاوز الدين العام العالمي 100% من الناتج المحلي الإجمالي قبل عام 2030، مقترباً من مستويات لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وفق رويترز.
وتواجه الدول النامية مدفوعات ديون خارجية بنحو 400 مليار دولار خلال العام الجاري، بينما تتجاوز الفوائد وحدها 10% من الإيرادات الحكومية في المتوسط لدى الدول المعنية.
لماذا ترتفع عوائد السندات رغم تباطؤ النمو؟
تكشف أسواق السندات عن تحول في العلاقة التقليدية بين النمو والفائدة، ففي الظروف المعتادة، يؤدي ضعف النشاط الاقتصادي إلى تراجع توقعات التضخم وانخفاض العوائد، لكن ارتفاع أسعار الطاقة واتساع العجز المالي يعقدان هذه المعادلة.
وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات بنحو 130 نقطة أساس منذ أواخر فبراير، مقابل 100 نقطة أساس للسندات لأجل 30 عاماً، مدفوعاً بصدمة النفط وتوقعات تشديد السياسة النقدية، كما أضافت عمليات التحوط المرتبطة بالسندات المدعومة بالرهون العقارية ضغوطاً جديدة على السوق، وفق رويترز.
ويقول خبراء أسواق المال إن ذلك يعكس ثلاثة محركات متداخلة، هي توقعات أسعار الفائدة، والتضخم المستقبلي، وعلاوة الأجل التي يطلبها المستثمرون مقابل الاحتفاظ بالسندات طويلة المدى.
المعروض الحكومي يرفع تكلفة رأس المال
وبحسب خبراء الأسواق فإن زيادة إصدارات السندات الحكومية تؤدي إلى اختبار قدرة المستثمرين على استيعاب المعروض دون المطالبة بعوائد أعلى، خصوصاً عندما تتزامن الإصدارات الجديدة مع إعادة تمويل الديون المستحقة.
وأدت موجة بيع السندات العالمية إلى رفع تكاليف الاقتراض إلى مستويات هي الأعلى منذ عقود، مع تعرض الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا واقتصادات أوروبية لضغوط مالية متزايدة، وفق فايننشال تايمز.
وتكمن الخطورة في نشوء حلقة تغذي نفسها، حيث ارتفاع العوائد يزيد مصروفات الفائدة، ما يوسع العجز ويستدعي اقتراضاً إضافياً، قد يدفع المستثمرين إلى طلب عوائد أعلى مجدداً.
الحكومات وشركات الذكاء الاصطناعي تتنافسان على التمويل
ويرى الخبراء أن الحكومات لم تعد وحدها المصدر الرئيسي للطلب المتزايد على أسواق الدين؛ إذ تستقطب مشروعات مراكز البيانات والرقائق والطاقة استثمارات ضخمة، بعضها ممول بالسندات والقروض.
وهبطت إصدارات الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي إلى 23 مليار دولار في سبتمبر أيلول، بعدما بلغت التمويلات الشهرية ذروتها عند 113 مليار دولار في يونيو، وفق مورغان ستانلي.
ويقول خبراء أسواق المال إن ذلك يخلق هذا التوسع منافسة على رؤوس الأموال طويلة الأجل، خصوصاً لدى صناديق التقاعد وشركات التأمين ومديري الأصول، لكن العلاقة ليست مزاحمة كاملة؛ إذ تستطيع الشركات مرتفعة الربحية الحفاظ على قدرتها التمويلية.
ويشير خبراء استطلعت رويترز آرائهم إلى أن فروق عوائد سندات الشركات الأميركية ذات الدرجة الاستثمارية ضاقت من 86 إلى 84 نقطة أساس بين فبراير وأوائل أكتوبر، رغم ارتفاع العوائد الحكومية.
اختبار الـ200 نقطة أساس.. كم ترتفع فاتورة الفوائد؟
توضح المحاكاة التالية حساسية الموازنات لارتفاع تكلفة الاقتراض، بافتراض دين حكومي قائم بقيمة تريليون دولار ومتوسط تكلفة إضافية يبلغ 100 أو 200 نقطة أساس.
ويكمن الفارق الأساسي بين الاقتراض الجديد والديون القائمة في توقيت انتقال الصدمة. فالسندات الحالية ذات الفائدة الثابتة لا تتأثر مدفوعاتها مباشرة بارتفاع عوائد السوق، وإنما تظهر التكلفة الأعلى عند استحقاقها وإعادة تمويلها، أما الاقتراض الجديد والديون ذات الفائدة المتغيرة فيتأثران بصورة أسرع.
وبالتالي، فإن ارتفاع العوائد 200 نقطة أساس لا يعني زيادة فورية في فوائد الدين الحكومي بالكامل بالمقدار نفسه.
خدمة الدين تزاحم الصحة والتعليم والبنية التحتية
تتحول أزمة التمويل إلى مشكلة تنموية عندما تستحوذ الفوائد على حصة متزايدة من الإيرادات الضريبية، ما يضيق المساحة المتاحة للإنفاق الاستثماري والاجتماعي.
وأظهر تقرير الديون الدولية للبنك الدولي الصادر في ديسمبر كانون الأول 2025 أن الدول النامية دفعت للدائنين الخارجيين 741 مليار دولار أكثر مما تلقت من تمويل جديد خلال الفترة 2022–2024، وهو أكبر صافي تدفق للخارج خلال خمسة عقود على الأقل.
وتصبح مشروعات البنية التحتية طويلة الأجل أكثر عرضة للتأجيل، بينما تواجه موازنات الصحة والتعليم منافسة مباشرة من التزامات خدمة الدين.
الاقتصادات الناشئة في قلب العاصفة
تتركز الهشاشة الأكبر في الاقتصادات ذات الاحتياجات التمويلية الخارجية المرتفعة، والاحتياطيات المحدودة، والاعتماد الكبير على واردات الطاقة، خصوصاً عندما تكون ديونها مقومة بالدولار.
وتبرز كينيا نموذجاً للضغوط الاجتماعية المرتبطة بضبط الموازنات؛ إذ نقلت رويترز أن إجراءات خفض الإنفاق وزيادة الضرائب للمساعدة في تجنب إعادة هيكلة الديون أثارت احتجاجات واسعة.
وتزداد المخاطر عندما تتزامن إعادة التمويل مع خروج رؤوس الأموال وتراجع العملة المحلية، ما يرفع عبء الديون الخارجية حتى دون اقتراض إضافي.
هل أصبحت الفائدة المرتفعة واقعاً دائماً؟
لا يعني تجاوز الدين العالمي 100% من الناتج أن الفائدة المرتفعة ستستمر إلى الأبد، لكنه يزيد احتمال بقاء عوائد السندات طويلة الأجل مرتفعة مقارنة بالعقد السابق لجائحة كورونا.
وسيكون العامل الحاسم قدرة الحكومات على تثبيت نسب الدين، وكبح العجز الأولي، وتحقيق نمو اسمي مستدام يتجاوز متوسط تكلفة الاقتراض.
أما إذا استمرت صدمات الطاقة واتسعت احتياجات التمويل، فقد تنتقل الأسواق من دورة مؤقتة لتشديد السياسة النقدية إلى عصر تصبح فيه تكلفة تمويل الدين، وليس سعر الفائدة الذي يحدده البنك المركزي وحده، القيد الأهم على النمو الاقتصادي.