عوائد الفائدة المرتفعة تضع البنوك الأميركية في حيرة بين نمو إيرادات الإقراض ومخاطر تعثر المقترضين
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعتين
آخر تعديل: قبل 53 دقيقة
البنوك الأميركية (شترستوك)
البنوك الأميركية (شترستوك)
تكشف نتائج البنوك الأميركية للربع الثالث من 2026 عن مفارقة متزايدة في وول ستريت؛ فبينما تدعم الفائدة المرتفعة إيرادات الإقراض، تضغط في المقابل على صفقات الاندماج والاستحواذ وإصدارات السندات، وتزيد تكلفة الودائع ومخاطر تعثر المقترضين، ما يهدد بتحويل أحد أهم محركات الأرباح إلى مصدر للضغوط.
وأعلن جيه بي مورغان تشيس أرباحاً بلغت 15.3 مليار دولار، بواقع 5.57 دولار للسهم، مقابل توقعات عند 5.85 دولار، مسجلاً أول إخفاق في تجاوز تقديرات المحللين منذ الربع الرابع من 2023، بحسب وكالة رويترز.
ورغم ذلك، رفع أكبر بنك أميركي توقعاته لصافي دخل الفوائد لعام 2026 إلى 106.2 مليار دولار، مقابل 105.5 مليار سابقاً، ما يعكس استمرار قوة أنشطته المصرفية التقليدية.
الفائدة المرتفعة.. مصدر للأرباح والضغوط
يقول خبراء مصرفيون إن البنوك تستفيد من ارتفاع أسعار الفائدة عندما ترتفع عوائد القروض والأصول المدرة للفائدة بوتيرة أسرع من تكلفة الودائع والتمويل، ما يدعم صافي دخل الفوائد، وهو الفرق بين إيرادات الفائدة ومصروفاتها.
وبحسب الإفصاح الفصلي لجيه بي مورغان، ارتفع صافي دخل الفوائد إلى 27.04 مليار دولار، بزيادة 13% سنوياً، بينما بلغ صافي هامش الفائدة (Net Interest Margin – NIM) نحو 2.48%، مقارنة بـ2.45% قبل عام.
وارتفع العائد على الودائع المدفوعة للفائدة إلى 2.18% من 2.11% في الربع السابق، ما يعكس بداية زيادة تكلفة الاحتفاظ بأموال المودعين.
ويرى الخبراء أن الفائدة تتحول إلى عبء عندما تتجاوز زيادة تكلفة التمويل مكاسب إعادة تسعير القروض، أو عندما تدفع الشركات والأسر إلى تقليص الاقتراض وترفع احتمالات التخلف عن السداد.
لماذا تتراجع صفقات وول ستريت؟
أظهرت نتائج جيه بي مورغان انخفاض رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية 8% مقارنة بالربع السابق، رغم ارتفاعها 14% سنوياً، بينما تراجعت إيرادات تداول أدوات الدخل الثابت 4% على أساس سنوي، مقابل قفزة بنسبة 49% في تداول الأسهم.
وقال المدير المالي للبنك جيريمي بارنوم إن الصفقات المحتملة لا تزال قوية، مرجحاً تأجيل بعضها بدلاً من إلغائها، وفق ما نقلته رويترز.
وبحسب الخبراء المصرفيون فإن التراجع يعكس ارتفاع تكلفة تمويل الاستحواذات وتذبذب عوائد السندات، ما يصعّب اتفاق المشترين والبائعين على التقييمات ويؤخر الطروحات الأولية.
لكن الأزمة ليست موحدة؛ إذ أعلن غولدمان ساكس ارتفاع رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية 21% سنوياً إلى 3.22 مليار دولار، بينما بلغت إيرادات تداول أدوات الدخل الثابت والعملات والسلع 3.47 مليار دولار، دون تغير جوهري عن العام السابق.
وتوضح النتائج أن تقلبات الأسواق لا تضمن نمواً في جميع أنشطة التداول؛ فقد تنشط الأسهم والمشتقات، بينما تتباطأ معاملات السندات والائتمان.
مقارنة البنوك الثلاثة.. من يمتلك هامش الأمان الأكبر؟
تكشف إفصاحات الربع الثالث تبايناً في قدرة البنوك على مواجهة ارتفاع تكلفة الأموال ومخاطر الائتمان.
وسجّل سيتي غروب أرباحاً قدرها 5.25 مليار دولار، بزيادة 40% سنوياً، مدعوماً بنمو إيرادات الخدمات وإدارة الثروات بنسبة 15% لكل منهما، وفق رويترز.
أما غولدمان ساكس، فحقق أرباحاً بلغت 5.29 مليار دولار، مع ارتفاع إيرادات إدارة الأصول والثروات 14% إلى 5.05 مليار دولار، ما يبرز أهمية الإيرادات الأكثر تنوعاً عندما تتباطأ الصفقات.
اختبار الضغط.. مليارات الأرباح معرضة للتآكل
ويقول الخبراء إنه لقياس حساسية الأرباح، يفترض سيناريو مبسط ارتفاع تكلفة الودائع 50 نقطة أساس (0.5%)، أو زيادة تكلفة الائتمان 25 نقطة أساس، دون تمرير الزيادة إلى المقترضين أو تغيير الميزانيات.
ويعتمد الاختبار على متوسط الودائع المدفوعة للفائدة لدى جيه بي مورغان، ومتوسط الودائع المدرجة ضمن الالتزامات المدرة للفائدة لدى سيتي غروب، أما غولدمان ساكس، فتُستخدم أرصدة نهاية الربع للودائع والقروض كبديل تقريبي.
وبحسب الخبراء فلا تمثل النتائج خسائر متوقعة؛ إذ تفترض انتقال الصدمات بالكامل، ولا تحتسب التحوط أو إعادة تسعير القروض أو التغيرات السلوكية للمودعين، كما أن سيناريو غولدمان قد يبالغ في أثر تكلفة الودائع لأنه يشمل إجمالي الودائع.
هل تصبح الخدمات التقليدية طوق النجاة؟
توضح النتائج أن مستقبل ربحية البنوك لن يتحدد فقط بحجم الصفقات أو ارتفاع أسعار الفائدة، بل بقدرتها على الاحتفاظ بودائع منخفضة التكلفة، وتنمية القروض الجيدة، وتوسيع رسوم الخدمات وإدارة الثروات.
ويُحذّر الخبراء من أن استمرار ارتفاع الفائدة والتضخم قد يضغط على الطلب على الائتمان ويضعف إنفاق المستهلكين، رغم النمو الحالي في أرباح البنوك الكبرى، وفق وول ستريت جورنال.
ويتوقع المصرفيون أن الخطر الأكبر لا يتمثل في انهيار أرباح القطاع، بل في تراجع جودة نموها إذا أصبحت تكلفة التمويل والمخصصات الائتمانية ترتفعان أسرع من عوائد الإقراض والخدمات.