تتجه صناديق الثروة السيادية ومؤسسات القطاع العام بصورة متزايدة إلى أسواق السندات المقومة بعملات غير الدولار، في ظل اشتداد المنافسة العالمية على التمويل وارتفاع تكاليف إصدار الديون، مع استحواذ استثمارات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على حصة متزايدة من رؤوس الأموال المتاحة، بحسب مسؤولة في مجموعة «سيتي». وقالت ستيفاني فون فريدبورغ، الرئيسة العالمية لمجموعة القطاع العام في «سيتي»، لرويترز الخميس، إن أسواق الدين المقومة بالعملات المحلية، مثل اليوان الصيني والدولار الأسترالي ودولار هونغ كونغ ودولار سنغافورة، تجذب اهتمام جهات حكومية وخاصة تسعى إلى تنويع مصادر التمويل وتقليل الاعتماد على أسواق الدولار.
وأوضحت فون فريدبورغ، على هامش اجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في بانكوك، أن الجهات السيادية والحكومات والشركات الخاصة تتنافس حالياً على قاعدة محدودة من رؤوس الأموال، في ظل زيادة احتياجات الحكومات إلى الاقتراض، بالتزامن مع سعي الشركات إلى تمويل مشروعات الذكاء الاصطناعي.
طفرة الذكاء الاصطناعي ترفع المنافسة على رأس المال
تأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه احتياجات الحكومات إلى التمويل من أجل تطوير البنية التحتية وتعزيز أمن الطاقة والإنفاق الدفاعي وتمويل خطط التنمية. وفي المقابل، تستقطب مشروعات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية استثمارات خاصة ضخمة، ما يزيد المنافسة على الأموال المتاحة في الأسواق العالمية.
وتنعكس هذه المنافسة على تكلفة الاقتراض، في وقت ارتفع فيه متوسط عوائد السندات الحكومية لأجل عشر سنوات في أكبر عشرة اقتصادات متقدمة بنحو 81 نقطة أساس منذ بداية عام 2026، وفقاً لوكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني.
ويعني ارتفاع العوائد أن الحكومات قد تضطر إلى دفع فوائد أكبر عند إصدار ديون جديدة، ما يزيد أعباء خدمة الدين ويحد من الموارد المتاحة للإنفاق على مشروعات التنمية. كما قد تواجه الشركات تكاليف تمويل أعلى، في ظل تنافسها مع الحكومات على جذب المستثمرين.
وتُعد صناديق الثروة السيادية من أكبر مجموعات المستثمرين المؤسسيين في العالم، إذ بلغ إجمالي أصولها نحو 16.5 تريليون دولار حتى أكتوبر 2026، بحسب بيانات مؤسسة «غلوبال إس دبليو إف».
ويمنحها حجم أصولها دوراً مهماً في حركة رؤوس الأموال العالمية، سواء عبر الاستثمار في الأسواق المالية أو تمويل المشروعات طويلة الأجل.
تنويع العملات لا يعني تراجع هيمنة الدولار
على الرغم من تزايد الاهتمام بأسواق الدين المقومة بعملات أخرى، توقعت فون فريدبورغ استمرار هيمنة الدولار الأميركي على احتياطيات النقد الأجنبي العالمية في المستقبل المنظور، مشيرة إلى أن الأسواق الأخرى لا تضاهي السوق الأميركية من حيث العمق والسيولة.
ويشير هذا التوجه إلى أن تنويع مصادر التمويل لا يعني بالضرورة التخلي عن الدولار، بل يتيح للمقترضين الوصول إلى شرائح مختلفة من المستثمرين والاستفادة من ظروف الأسواق المحلية. لكن إصدار الديون بعملات متعددة قد ينطوي أيضاً على مخاطر، من بينها تقلبات أسعار الصرف وارتفاع تكلفة خدمة الدين إذا تراجعت العملة التي يحصل المقترض من خلالها على إيراداته.
الأسواق الناشئة تواجه ضغوطاً تمويلية متزايدة
حذرت فون فريدبورغ من أن ارتفاع عوائد السندات في الاقتصادات المتقدمة وتوجه رؤوس الأموال الخاصة نحو مشروعات
الذكاء الاصطناعي قد يؤديان إلى مزاحمة الاقتصادات النامية في الحصول على التمويل، رغم حاجتها الكبيرة إلى الاستثمار في الطاقة والنقل والبنية التحتية الرقمية.
وتواجه بعض هذه الاقتصادات بالفعل أعباء مرتفعة لخدمة الديون ومحدودية في الحيز المالي المتاح لزيادة الإنفاق، ما يصعّب عليها تمويل المشروعات الأساسية من دون اللجوء إلى مزيد من الاقتراض.
ودعت المسؤولة إلى الاستفادة من حلول تمويلية مبتكرة، من بينها مبادلة الديون مقابل التنمية، التي يمكن أن تربط تخفيف أعباء الدين بالتزامات تمويلية أو استثمارية محددة. وقد تساعد هذه الآليات في إتاحة موارد إضافية للمشروعات التنموية، وإن كان نجاحها يعتمد على شروط الاتفاقات وحجم التمويل الذي توفره فعلياً.
وفي سياق آخر، أشارت فون فريدبورغ إلى أن الارتفاع في أسعار الذهب يدفع مديري الاحتياطيات إلى دراسة خيارات لإدارة السيولة والتحوط من تقلبات الأسعار، بما في ذلك الاقتراض بضمان احتياطيات الذهب. ويعكس ذلك اتساع الضغوط التي تواجه إدارة الأصول السيادية، مع تغير أسعار الفائدة وتزايد المنافسة على التمويل عالمياً.