الشتاء يحلّ بأسواق المال.. السندات والأسهم ترويان القصة الباردة نفسها

أسهم الذكاء الاصطناعي تحت الضغط.. وخطط «ميتا» تثير قلق المستثمرين (رويترز)
أسهم الذكاء الاصطناعي تحت الضغط.. وخطط «ميتا» تثير قلق المستثمرين
أسهم الذكاء الاصطناعي تحت الضغط.. وخطط «ميتا» تثير قلق المستثمرين (رويترز)

لم تكن خطط الإنفاق الضخمة لشركة «ميتا» سوى أحد العوامل التي تزامنت مع موجة البيع الأخيرة في أسهم التكنولوجيا الأميركية، إذ تشير تحركات أسواق الأسهم والسندات إلى تغيرات أوسع في توجهات المستثمرين، وسط تراجع جاذبية بعض الرهانات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتزايد الإقبال على الأصول الأكثر أماناً.

وألقت عناوين صحيفتي «فاينانشال تايمز» و«وول ستريت جورنال» باللوم على مؤسس «ميتا» ورئيسها التنفيذي مارك زوكربيرغ في تراجع الأسواق، معتبرة أن خطط الإنفاق الضخمة للشركة أشعلت موجة جديدة من التحولات الاستثمارية، دفعت المستثمرين إلى التخارج من الأسهم المرتبطة بطفرة الذكاء الاصطناعي.

لكن هذا التفسير، رغم وجاهته، يستدعي التمييز بين العوامل الأساسية التي تؤثر في قرارات المستثمرين، التي يمكن قياسها كمياً في معظم الأحيان، وبين المحفزات التي تطلق تحركات حادة في الأسواق، التي تظل تفسيراتها أكثر عرضة للتقدير والافتراض.

وفي حين قد تكون «ميتا» وزوكربيرغ هدفاً سهلاً لإلقاء اللوم، فإن تحركات الأسواق الأخيرة تعكس ضغوطاً أوسع نطاقاً.

عوائد السندات تتراجع وأسهم التكنولوجيا تهبط

شهدت سندات الخزانة الأميركية، الخميس، موجة صعود قوية تزامنت مع تراجع حاد في أسهم التكنولوجيا، في تحرك أوحى بوصول الأسواق إلى نقطة تحول مفاجئة، أشبه بقدوم الشتاء بعد صيف طويل.

وانخفض العائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات بمقدار 19 نقطة أساس، ليصل إلى 4.96%، فيما تراجع مؤشر ناسداك المجمع بنسبة 2.6%.

لكن النظر إلى الصورة الأوسع يشير إلى أن تحركات الخميس لم تكن تجمداً مفاجئاً للأسواق، بل تتويجاً لعملية تباطؤ تدريجية استمرت لأسابيع.

فقد بلغت عوائد سندات الخزانة ذروتها خلال الأسبوع الأول من أكتوبر، ثم بدأت في التراجع.

ولم يعكس هذا الانخفاض توقعات بتراجع التضخم، إذ جاء التحرك مدفوعاً بالكامل بانخفاض العوائد الحقيقية، في حين ظلت توقعات التضخم المستخلصة من الفارق بين عوائد السندات الاسمية والمحمية من التضخم مستقرة إلى حد كبير.

كذلك، لم يعكس تراجع العوائد الحقيقية تغيراً ملموساً في توقعات السياسة النقدية لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، التي ظلت مستقرة طوال الشهر، قبل أن تبدأ في الانخفاض للمرة الأولى الخميس، بالتزامن مع التراجع الحاد في الأسواق.

ثلاثة عوامل وراء صعود السندات

لخّص بوب ميكيلي، من «جيه بي مورغان» لإدارة الأصول، ثلاثة عوامل رئيسية تفسر التحول في سوق السندات.

تمثل العامل الأول في بلوغ التشاؤم بشأن سوق السندات مستويات حادة، إذ كان معظم المشاركين في السوق يشعرون بالقلق من تسارع النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم.

أما العامل الثاني، فتمثل في جاذبية التقييمات، التي أشارت إلى تعرض سوق السندات لضغوط بيع مفرطة.

وبلغ العائد الحقيقي على سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات نحو 3%، وهو مستوى لم يُسجل منذ عام 2002، فيما كانت العوائد الاسمية عند مستوى 5.3%، وهو مستوى يعود آخر تسجيل له إلى ما قبل الأزمة المالية العالمية.

وجاء العامل الثالث في صورة محفز دفع المستثمرين إلى التحرك، تمثل في تراجع أسهم التكنولوجيا بالتزامن مع اعتدال توقعات الأرباح، إلى جانب المخاوف بشأن الدين الفرنسي واحتمال انتقال الضغوط إلى أسواق الديون السيادية الأوروبية الأخرى.

كما أسهمت عمليات تغطية مراكز البيع على المكشوف في تعزيز زخم صعود السندات.

ويبدو العاملان الأول والثاني مقنعين، ولا سيما جاذبية العوائد الحقيقية مقارنة بالعوائد المتاحة في سوق الأسهم، رغم التحفظات بشأن سوق الأوراق المالية الأميركية المحمية من التضخم.

لكن العامل الثالث، المتعلق بالمحفز الذي دفع المستثمرين نحو السندات، يكتسب أهمية خاصة؛ إذ إن انخفاض العوائد الحقيقية من دون ارتباط واضح بتوقعات السياسة النقدية للبنوك المركزية غالباً ما يعكس تراجع توقعات النمو أو تصاعد المخاطر في الأسواق.

وفي هذه الحالة، تشير التحركات إلى موجة تقليدية من العزوف عن المخاطرة، دفعت المستثمرين إلى التوجه نحو السندات بحثاً عن ملاذ أكثر أماناً، وسط مخاوف كانت تتراكم تدريجياً منذ فترة.

تراجع تدريجي في أسهم المستفيدين من طفرة الذكاء الاصطناعي

بدأت ملامح هذا التحول تظهر منذ مايو، عندما شرعت الأسهم الصناعية التي استفادت من طفرة مراكز البيانات في التراجع، بعدما تضاعفت أسعار العديد منها منذ بداية العام.

وبحلول نهاية أغسطس، ضاق نطاق الصعود في السوق إلى درجة أصبح معها الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي القوة الرئيسية التي تحول دون تراجع الأسهم على نطاق أوسع.

وفي الفترة الأحدث، امتدت الضغوط إلى شركات التكنولوجيا الواقعة على أطراف موجة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، بعدما بدأت أسهمها تتعرض لعمليات بيع متتالية.

وفي المقابل، كانت القطاعات الأفضل أداءً منذ بلوغ عوائد السندات ذروتها، باستثناء قطاع الطاقة الذي يواصل الاستفادة من تداعيات الحرب، هي القطاعات الدفاعية التقليدية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية والسلع الاستهلاكية الأساسية.

عودة الاهتمام بالأسهم الدفاعية

برز التحول بصورة لافتة في قطاع السلع الاستهلاكية الأساسية، الذي عانى لفترة طويلة من ضعف اهتمام المستثمرين.

وشمل التحسن أسهم الشركات الأكثر دفاعية داخل القطاع، بما فيها منتجو المشروبات الكحولية والمناشف الورقية، ومتاجر الخصومات، وشركات البقالة، ومصنّعو الأغذية المعبأة.

ويشير هذا الأداء إلى أن الأسهم الدفاعية التي تعرضت لضغوط في الفترات السابقة قد تمثل نقطة انطلاق للمستثمرين الساعين إلى التحوط من مخاطر تركز السوق في عدد محدود من الشركات والقطاعات.

وعلى الجانب الآخر، تركزت أكبر التراجعات المسجلة منذ بلوغ عوائد السندات ذروتها في شركات الحوسبة السحابية العملاقة، ومصنّعي أشباه الموصلات، والشركات الصناعية المرتبطة ببناء مراكز البيانات.

وفي حين تعرضت هذه المجموعات لضغوط، ظل أداء معظم الأسهم الأخرى أفضل نسبياً، إذ ارتفعت أسعار نحو ثلاثة أرباع الأسهم المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 منذ الخامس من أكتوبر.

تراجع الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي

طوّر يين لو، من «وولف ريسيرش»، نموذجاً لعامل المخاطر المرتبط بالذكاء الاصطناعي، بهدف قياس مدى تعرض الأسهم الأميركية لهذه التكنولوجيا.

ويعتمد النموذج على وكلاء للذكاء الاصطناعي لتقييم انكشاف الشركات على التكنولوجيا، من خلال تحليل نصوص مكالمات إعلان الأرباح والإفصاحات التنظيمية والتقارير الإخبارية وغيرها من المصادر.

وخلال الأسبوع الماضي تقريباً، سجل هذا العامل أطول سلسلة من أيام الأداء السلبي خلال ثلاثة أشهر، في إشارة إلى تزايد الضغوط على الأسهم الأكثر ارتباطاً بالذكاء الاصطناعي.

هل بدأت موجة تصحيح واسعة في الأسهم الأميركية؟

يثير التراجع الأخير تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأسواق الأميركية مقبلة على تصحيح واسع في الأسهم، أو ما إذا كانت سوق سندات الخزانة قد بدأت بالفعل موجة صعود مستدامة.

ومع ذلك، لا تزال الأسهم تستند إلى عاملين أساسيين قد يساعدانها على الصمود، حتى مع تراجع الزخم الاستثماري المرتبط بالذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن.

يتمثل العامل الأول في قوة الاقتصاد الأميركي، التي تستند بدرجة أكبر إلى مرونة إنفاق المستهلكين، وليس فقط إلى الاستثمارات في مراكز البيانات، فقد نما الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي بنسبة 2.5% خلال الربع الثاني.

أما العامل الثاني، فهو النمو السريع لأرباح الشركات؛ ووفقاً لبيانات «فاكت سِت»، من المتوقع أن ترتفع أرباح الشركات المدرجة في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 33% خلال العام الجاري، وبنسبة 16% إضافية في عام 2027.

ويصعب ترسخ موجة بيع واسعة ومستدامة في الأسهم ما دام الاقتصاد يحتفظ بمتانته وتواصل أرباح الشركات نموها بهذه الوتيرة، لكن الصورة قد تصبح أكثر قتامة إذا فقد السوق أحد هذين العاملين الداعمين.

ومع استمرار موسم إعلان النتائج المالية، ستكون المراجعات النزولية لتوقعات الأرباح مؤشراً مهماً على ما إذا كانت الأسواق تتجه نحو فترة أكثر صعوبة، قد تشهد تراجعاً أوسع في الأسهم وازدياد الإقبال على سندات الخزانة الأميركية.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة