الفائدة تعصف بالتمويل العقاري.. تراجع حاد بطلبات قروض منطقة اليورو

الطلب على قروض الإسكان في منطقة اليورو يتراجع بأكثر من المتوقع (أ ف ب)
تراجع حاد في الطلب على القروض العقارية في منطقة اليورو في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد صعوبة الحصول على الائتمان.
الطلب على قروض الإسكان في منطقة اليورو يتراجع بأكثر من المتوقع (أ ف ب)

أظهر استطلاع أجراه البنك المركزي الأوروبي، يوم الثلاثاء، تراجعاً حاداً في الطلب على القروض العقارية في منطقة اليورو خلال الأشهر الثلاثة المنتهية في سبتمبر، وذلك في ظل ارتفاع أسعار الفائدة وتزايد صعوبة الحصول على الائتمان.

وكشف «مسح الإقراض المصرفي» الذي يجريه البنك المركزي الأوروبي بشكل ربع سنوي، عن الأثر الملموس لسياسة التشديد النقدي التي بدأها البنك في يونيو، ومن المتوقع أن تستمر لأشهر، وذلك استجابة لارتفاع معدلات التضخم المدفوع بتداعيات الحرب.

وأفادت نسبة 27% من البنوك بانخفاض في الطلب على القروض السكنية خلال الربع الثالث من العام؛ وهو تراجع أكثر حدة مما كانت تتوقعه البنوك (12%)، وأكبر أيضاً مما سُجل في الأشهر الثلاثة السابقة (15%).

وذكر البنك المركزي الأوروبي في بيان صحفي أن «ارتفاع أسعار الفائدة كان العامل الرئيسي وراء هذا الانخفاض، تلاه تراجع ثقة المستهلك وتدهور آفاق سوق الإسكان».

لماذا يتراجع الطلب على القروض العقارية؟

يمثل ارتفاع أسعار الفائدة أحد أبرز العوامل المؤثرة في سوق التمويل العقاري، إذ يؤدي إلى زيادة تكلفة الحصول على قرض لشراء منزل، ما يرفع الأقساط الشهرية أو يقلص قيمة التمويل الذي يمكن للأسر الحصول عليه وفقاً لدخولها.

فعندما ترتفع الفائدة، تصبح الأسر مضطرة إلى تخصيص جزء أكبر من دخلها لسداد القروض، وهو ما قد يدفع بعض المشترين المحتملين إلى تأجيل قرارات الشراء أو البحث عن مساكن أقل تكلفة.

ولا يقتصر تأثير الفائدة المرتفعة على المشترين الجدد، إذ يمكن أن يمتد إلى المقترضين الحاليين عند إعادة تسعير القروض ذات الفائدة المتغيرة أو تجديد التمويل، بحسب شروط العقود في كل سوق.

وتتزامن هذه الضغوط مع تراجع ثقة المستهلكين، وهو عامل قد يزيد إحجام الأسر عن الالتزام بقروض طويلة الأجل، خصوصاً عندما تصبح التوقعات المتعلقة بالدخل والوظائف وأسعار العقارات أقل وضوحاً.

ومن الناحية الاقتصادية، قد يؤدي استمرار ضعف الطلب على التمويل العقاري إلى تباطؤ معاملات شراء المساكن، وانخفاض وتيرة الاستثمار في المشروعات السكنية الجديدة، إذا استمرت ظروف التمويل غير المواتية.

ومع ذلك، لا تعني نتائج المسح بالضرورة انخفاض أسعار المنازل في جميع دول منطقة اليورو، إذ تتأثر الأسعار أيضاً بحجم المعروض والطلب المحلي وتكاليف البناء والاختلافات بين الأسواق العقارية.

البنوك الأوروبية تستعد لتشديد الإقراض

على جانب العرض، أظهرت نتائج المسح أن البنوك لم تشدد معايير منح القروض العقارية خلال الربع الثالث، لكنها اتجهت إلى تشديد شروط الائتمان المقدم للشركات والقروض الاستهلاكية.

وتتوقع المؤسسات المصرفية مواصلة تشديد معايير الإقراض في مختلف الفئات خلال الربع الأخير من عام 2026، وهو ما قد يضيف ضغوطاً جديدة على الأسر والشركات الباحثة عن التمويل.

ويعني تشديد معايير الإقراض أن البنوك قد تصبح أكثر تحفظاً في الموافقة على طلبات التمويل، سواء من خلال زيادة متطلبات الجدارة الائتمانية أو الضمانات أو فرض شروط أكثر صرامة على المقترضين.

وأشار البنك المركزي الأوروبي إلى أن ارتفاع المخاطر المتصورة وتراجع قدرة البنوك على تحملها كانا من أبرز العوامل وراء تشديد الائتمان.

كما أفادت بعض البنوك بأنها تواجه ضغوطاً إضافية نتيجة حالة عدم اليقين الجيوسياسي والتطورات المرتبطة بقطاع الطاقة، وهو ما يزيد حذرها عند تقييم طلبات التمويل.

وتكتسب هذه التطورات أهمية لأن ضعف الطلب على القروض، بالتزامن مع تشدد البنوك في منحها، قد يحد من قدرة السياسة النقدية على دعم النشاط الاقتصادي عندما تبدأ ظروف التمويل في التحسن مستقبلاً.

فرنسا في صدارة تشديد شروط الائتمان

برزت فرنسا بوصفها السوق الأوروبية الكبرى التي شهدت أوضح مظاهر تشديد معايير الإقراض، وفقاً لنتائج المسح، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً في أسواق السندات مرتبطة بأوضاع ماليتها العامة.

وتأتي هذه التطورات في ظل مخاوف المستثمرين بشأن مستويات الدين العام والعجز المالي الفرنسي، وما قد يترتب عليها من ارتفاع تكاليف التمويل.

ومن الناحية المالية، يمكن أن تؤثر زيادة العوائد المطلوبة على السندات الحكومية في تكلفة التمويل داخل الاقتصاد، بما يشمل البنوك والشركات، وإن كان حجم انتقال هذا التأثير يختلف وفقاً لظروف السوق والمؤسسات المالية.

وقد يدفع ارتفاع المخاطر السيادية البنوك إلى اتباع نهج أكثر تحفظاً عند منح الائتمان، خصوصاً إذا تزامن مع ضعف توقعات النمو وتزايد حالة عدم اليقين الاقتصادي.

ويشير ذلك إلى أن الضغوط التي تواجه الإقراض في منطقة اليورو لا ترتبط بأسعار الفائدة وحدها، بل تمتد إلى المخاطر المالية والاقتصادية الخاصة بكل دولة.

ماذا تعني النتائج لاقتصاد منطقة اليورو؟

يُعد الإقراض المصرفي أحد القنوات الرئيسية التي تنتقل من خلالها قرارات السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي، إذ تؤثر أسعار الفائدة وشروط التمويل في قدرة الأسر على الاستهلاك والشركات على الاستثمار.

وعندما تتراجع شهية الأسر للاقتراض، قد ينعكس ذلك على الطلب على العقارات والإنفاق المرتبط بشراء المساكن، بما في ذلك الأثاث والأجهزة المنزلية وخدمات البناء والتجديد.

كما يمكن أن يؤدي تشديد الائتمان المقدم للشركات إلى تأجيل بعض خطط التوسع والاستثمار، خاصة لدى المؤسسات التي تعتمد بدرجة كبيرة على التمويل المصرفي.

وفي المقابل، يظل كبح الطلب عبر ارتفاع تكاليف الاقتراض إحدى الآليات التي تستخدمها البنوك المركزية للحد من التضخم، من خلال تخفيف الضغوط على الإنفاق والأسعار.

لكن استمرار ارتفاع الفائدة فترة طويلة قد يزيد المخاطر المرتبطة بتباطؤ النمو، ما يضع البنك المركزي الأوروبي أمام تحدي تحقيق التوازن بين السيطرة على التضخم وتجنب ضغوط اقتصادية أوسع.

الذكاء الاصطناعي يدخل تقييمات البنوك الائتمانية

وتطرق المسح أيضاً إلى دور الذكاء الاصطناعي في تقييم طلبات التمويل، إذ أفادت معظم البنوك بأنها لم تعتمد بعد معايير كمية محددة لتقييم عمليات الإقراض المرتبطة بهذا المجال.

في المقابل، أشارت مجموعة محدودة من المؤسسات المصرفية إلى أن الذكاء الاصطناعي بدأ يكتسب أهمية أكبر ضمن التقييمات النوعية التي تستخدمها في دراسة المخاطر والفرص المرتبطة بالتمويل.

ويعكس ذلك أن القطاع المصرفي لا يزال في مرحلة تطوير أدوات تقييم المخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في ظل توسع استثمارات الشركات في التكنولوجيا والبنية التحتية الرقمية.

وتبرز هذه المسألة مع تزايد احتياجات شركات التكنولوجيا إلى التمويل، ما يفرض على المؤسسات المصرفية تقييم نماذج أعمال تختلف عن القطاعات التقليدية من حيث طبيعة الأصول والعوائد والمخاطر.

وتشير نتائج المسح إجمالاً إلى أن منطقة اليورو تدخل الربع الأخير من عام 2026 في ظل بيئة ائتمانية أكثر حذراً، مع تراجع الطلب على التمويل العقاري وتوقعات بتشديد معايير الإقراض، وهو ما يجعل تطورات التضخم وأسعار الفائدة وثقة المستهلكين عوامل رئيسية في تحديد مسار الائتمان والنشاط الاقتصادي خلال الفترة المقبلة.

(رويترز)

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة