قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، يوم الخميس، إنها تعتزم التنحي عن منصبها في السابع من فبراير شباط 2027، قبل نحو ثمانية أشهر من انتهاء ولايتها الرسمية، في خطوة تفتح الباب أمام منافسة على قيادة السياسة النقدية لمنطقة اليورو، في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً تضخمية وتحديات اقتصادية وجيوسياسية متزايدة. ووفقاً لبيان صادر عن البنك المركزي الأوروبي، ستغادر لاغارد منصبها في السابع من فبراير 2027، بدلاً من أكتوبر تشرين الأول من العام نفسه، الذي كان مقرراً أن تنتهي فيه ولايتها الممتدة لثماني سنوات.
وتولت لاغارد رئاسة البنك المركزي الأوروبي في نوفمبر تشرين الثاني 2019، خلفاً للإيطالي ماريو دراغي، لتصبح رابع شخصية تتولى قيادة المؤسسة النقدية منذ تأسيسها، وثاني رئيس فرنسي لها.
ويأتي إعلان رحيلها المبكر في مرحلة حساسة بالنسبة إلى اقتصاد منطقة اليورو، إذ يواجه البنك المركزي تحدياً يتمثل في احتواء التضخم المرتفع الناجم عن الحرب في إيران، بالتزامن مع تقلبات الأسواق المالية وزيادة الإنفاق الأوروبي على الدفاع والبنية التحتية.
ومن المنتظر أن تشعل مغادرة لاغارد سباقاً بين كبار المسؤولين النقديين الأوروبيين لخلافتها، نظراً إلى الدور المحوري الذي يؤديه البنك في تحديد أسعار الفائدة والتأثير في تكاليف الاقتراض والنشاط الاقتصادي داخل الدول الأعضاء.
سباق خلافة لاغارد يبدأ مبكراً
يفتح قرار التنحي المبكر الباب أمام واحدة من أبرز المنافسات على المناصب الاقتصادية في أوروبا، إذ سيتولى الرئيس المقبل للبنك المركزي الأوروبي مسؤولية توجيه السياسة النقدية لمنطقة تضم 21 دولة وأكثر من 350 مليون نسمة.
ويبرز اسمان في المنافسة على المنصب، هما الإسباني بابلو هيرنانديز دي كوس، المحافظ السابق لبنك إسبانيا والرئيس الحالي لبنك التسويات الدولية، والهولندي كلاس نوت، المحافظ السابق للبنك المركزي الهولندي.
وبحسب استطلاع أجرته بلومبيرغ لاقتصاديين خلال أكتوبر تشرين الأول، يتصدر دي كوس قائمة المرشحين الأوفر حظاً لخلافة لاغارد.
ويمنح منصبه الحالي على رأس بنك التسويات الدولية، إلى جانب خبرته السابقة في قيادة البنك المركزي الإسباني، حضوراً بارزاً في الأوساط النقدية الدولية، بينما يُعد نوت من الشخصيات المعروفة في دوائر السياسة النقدية الأوروبية.
ومع ذلك، لم يُحسم اختيار الرئيس المقبل، إذ تخضع عملية التعيين لإجراءات مؤسسية ومشاورات سياسية بين الدول الأوروبية، ما يجعل المنافسة مفتوحة حتى إعلان القرار النهائي.
التضخم والحرب في إيران يعقّدان مهمة الرئيس المقبل
تأتي التغييرات المرتقبة في قيادة
البنك المركزي الأوروبي وسط بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين، مع استمرار تداعيات الحرب في إيران على أسعار الطاقة والتضخم.
وتفرض هذه التطورات تحديات على صناع السياسة النقدية، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط على أسعار السلع والخدمات، في وقت تحتاج فيه الاقتصادات الأوروبية إلى الحفاظ على مستويات مناسبة من النمو والاستثمار.
ويواجه البنك المركزي الأوروبي معادلة معقدة تتمثل في الموازنة بين السيطرة على التضخم وتجنب تشديد الأوضاع المالية بصورة قد تؤثر سلباً في النشاط الاقتصادي.
كما تتزامن هذه التحديات مع تقلبات أسواق السندات، التي تراقب عن كثب توقعات أسعار الفائدة ومسارات الاقتراض الحكومي، خصوصاً في ظل خطط أوروبية لزيادة الإنفاق على الدفاع وتطوير البنية التحتية.
وقد يؤدي ارتفاع الإنفاق الحكومي إلى زيادة احتياجات التمويل لدى بعض الدول، ما يعزز أهمية استقرار أسواق الدين وتوقعات السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.
وفي هذا السياق، تكتسب هوية الرئيس الجديد للبنك المركزي الأوروبي أهمية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين، الذين سيترقبون توجهاته بشأن التضخم وأسعار الفائدة وكيفية التعامل مع الصدمات الاقتصادية الخارجية.
نهاية مبكرة لولاية بدأت في 2019
تولت لاغارد قيادة البنك المركزي الأوروبي في نوفمبر 2019، بعد انتهاء ولاية ماريو دراغي، لتصبح أول امرأة تتولى رئاسة المؤسسة النقدية الأوروبية.
وجاء تعيينها بعد مسيرة شغلت خلالها مناصب اقتصادية دولية بارزة، من بينها منصب المدير العام لصندوق النقد الدولي، قبل انتقالها إلى قيادة السياسة النقدية لمنطقة اليورو.
وخلال ولايتها، واجه البنك المركزي الأوروبي سلسلة من التحديات الاقتصادية، أبرزها تداعيات جائحة كوفيد-19، وموجات التضخم التي أعقبت اضطرابات سلاسل الإمداد وارتفاع أسعار الطاقة بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
ومع اقتراب رحيلها، ستكون مسألة استمرارية السياسة النقدية من أبرز الملفات المطروحة، خصوصاً في ظل الحاجة إلى الحفاظ على ثقة الأسواق خلال انتقال القيادة.
ومن شأن إعلان موعد التنحي، قبل أشهر من حدوثه، أن يمنح المؤسسات الأوروبية وقتاً لترتيب عملية اختيار الرئيس المقبل، إلا أن توقيت القرار يضع ملف الخلافة في صدارة الاهتمام الاقتصادي والسياسي داخل أوروبا.