طلبت هيئة تنظيم الأوراق المالية في الصين من البنوك الاستثمارية تعليق إجراءات الطروحات العامة الأولية، كما أوقفت مؤقتاً عمليات بيع كميات كبيرة من الأسهم من جانب المساهمين الحاليين، في محاولة لاحتواء تراجع أسواق الأسهم المحلية، وفقاً لما أوردته صحيفة «فاينانشال تايمز» نقلاً عن ثلاثة أشخاص مطلعين على المناقشات. وذكرت الصحيفة أن الهيئة عقدت اجتماعات مع بنوك استثمارية خلال الأيام الماضية، وقدمت توجيهات غير رسمية تُعرف باسم «إرشادات النافذة»، تطلب بموجبها إبطاء أو تعليق الطروحات الجديدة إلى حين تعافي الأسواق، كما شملت التوجيهات تعليق مبيعات الأسهم الكبيرة من المساهمين الحاليين مؤقتاً، دون تحديد موعد لاستئنافها.
ولم تتمكن «رويترز» من التحقق بصورة فورية من التقرير، ما يعني أن المعلومات بشأن هذه التوجيهات لم تصدر في إعلان رسمي معلن من الهيئة حتى الآن.
وتأتي هذه الخطوة بعد موجة هبوط قوية في سوق الأسهم الصينية، إذ تراجع مؤشر «سي إس آي 300»، الذي يضم أبرز الأسهم المدرجة في بورصتي شنغهاي وشنتشن، بنسبة 8.5% خلال أكتوبر، مسجّلاً أسوأ أداء شهري له منذ أكثر من عقد. كما انخفض المؤشر بنحو 14% منذ بداية العام، في وقت ارتفع فيه مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» الأميركي بنحو 10% خلال الفترة نفسها.
ضغوط السوق تدفع بكين إلى تدخلات جديدة
تواجه
الأسهم الصينية ضغوطاً ممتدة منذ الصيف، في ظل تحديات اقتصادية وتراجع ثقة المستثمرين في بعض القطاعات، من بينها الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. كما ساهمت إجراءات ضريبية تستهدف الصناديق الائتمانية الخارجية في دفع بعض الأثرياء إلى بيع أسهم لتوفير السيولة اللازمة لسداد التزاماتهم الضريبية، وفقاً للتقرير.
ولم تنجح التدخلات السابقة في وقف موجة التراجع، رغم لجوء السلطات إلى مشتريات صناديق مدعومة من الدولة في يوليو، إلى جانب إجراءات تنظيمية سابقة للحد من مبيعات الأسهم. كما سبق أن لجأت بكين إلى إبطاء وتيرة الطروحات العامة خلال فترات اضطراب السوق، بهدف الحفاظ على السيولة وتقليل الضغوط الناتجة عن زيادة المعروض من الأسهم.
وتثير التوجيهات الجديدة مخاوف بشأن تباطؤ نشاط صفقات أسواق الأسهم الصينية، بعدما أظهرت الطروحات الأولية مؤشرات على التعافي خلال العام الجاري. ووفقاً لبيانات «بلومبرغ»، تجاوزت قيمة صفقات الطرح العام الأولي في الصين 292 مليار يوان (نحو 44 مليار دولار) منذ بداية 2026، وهو أعلى مستوى منذ عام 2023.
ومن بين الشركات التي كان متوقعاً طرح أسهمها خلال العام شركة «واي إم تي سي» المتخصصة في صناعة الرقائق الإلكترونية، لكنها لم تنفذ الطرح حتى الآن.
إجراءات دعم إضافية لمواجهة تراجع الأسهم
وتأتي التوجيهات المنقولة عن الهيئة بعد تحركات إضافية أعلنتها الجهات التنظيمية الصينية يوم الاثنين، إذ عقدت هيئة تنظيم الأوراق المالية وبنك الشعب الصيني والإدارة الوطنية للتنظيم المالي اجتماعات مع شركات الوساطة وصناديق الاستثمار لمناقشة سبل استقرار الأسواق.
وشملت الإجراءات خفض سعر الفائدة على تسهيلات إعادة الإقراض المخصصة لتمويل عمليات إعادة شراء الأسهم من 1.25% إلى 1%، إلى جانب تعزيز عمليات مبادلة الأصول وتشجيع الشركات المدرجة على إعادة شراء أسهمها.
كما تضمنت توجيهات سابقة، صدرت خلال الشهر الماضي، تسريع عمليات إعادة شراء الأسهم وحث المستثمرين على الحد من عمليات البيع، في إطار مساعٍ لاحتواء التقلبات ودعم أسعار الأسهم.
لكن رد فعل السوق على الإجراءات الأخيرة ظل محدوداً خلال تعاملات الثلاثاء؛ إذ تراجع مؤشر «سي إس آي 300» بنحو 0.7%، وهبط مؤشر «ستار 50» الذي يركز على شركات التكنولوجيا بواقع 4.6%، بينما ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» في
هونغ كونغ بحوالي 0.3%.
جدل بشأن قدرة التدخلات على استعادة ثقة المستثمرين
ويرى توماس ماثيوز، رئيس أسواق آسيا والمحيط الهادئ لدى «كابيتال إيكونوميكس»، أن الإجراءات لن تحقق تحولاً مستداماً في اتجاه السوق ما لم تترافق مع خطوات تعالج التحديات الهيكلية بصورة مباشرة، مشيراً إلى أهمية دعم نمو أرباح الشركات، وهو ما قد يتطلب تحفيزاً نقدياً أو مالياً على المدى القريب.
من جانبه، اعتبر سام كونراد، مدير الاستثمار لدى «جوبيتر لإدارة الأصول»، أن الاعتماد على الدعم الحكومي لدعم أسعار الأسهم يعكس تحديات تواجه سوق الأسهم الصينية على المدى الطويل.
في المقابل، قال جيسون ليو، رئيس استراتيجية الأسهم والمشتقات لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ لدى «بي إن بي باريبا»، إن الإجراءات قد لا تؤدي إلى انعكاس فوري في معنويات المستثمرين على غرار ما حدث في سبتمبر 2024، لكنها قد تتيح فرصاً متوسطة الأجل للمستثمرين الراغبين في زيادة انكشافهم على الأسهم الصينية المحلية.
وكانت الأسهم الصينية قد شهدت انتعاشاً في سبتمبر وأكتوبر 2024 عقب إطلاق السلطات حزمة تحفيز شملت تسهيلات للسيولة من البنك المركزي لدعم شراء الأسهم من جانب شركات الوساطة والمستثمرين المؤسسيين، كما أسهمت طفرة شركة «ديب سيك» في مطلع 2025 في تعزيز اهتمام المستثمرين العالميين بأسهم التكنولوجيا الصينية، قبل أن تتجدد الضغوط مع تصاعد التوترات التجارية الأميركية الصينية، ثم تزايد الشكوك بشأن استدامة المكاسب بعد بيع صناديق مدعومة من الدولة أجزاء من حيازاتها خلال الربع الأول من 2026.