يستعد بنك إنجلترا لرفع أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، في ظل تصاعد الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار الطاقة مع استمرار الحرب الأميركية الإيرانية، وهو ما يدفع البنك المركزي البريطاني إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية بعد فترة من التيسير. وتشير توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم إلى أن لجنة السياسة النقدية في بنك إنجلترا ستصوت بأغلبية 7 أصوات مقابل صوتين لصالح زيادة سعر الفائدة الأساسي إلى 4% من 3.75%، في أول رفع منذ أغسطس 2023، عندما كان التضخم البريطاني يتجاوز 6%.
ويأتي القرار المتوقع بعد أن أبقى البنك أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه السابق خلال سبتمبر، حين صوّت 6 أعضاء لصالح تثبيتها مقابل 3 طالبوا برفعها. كما يمثل تحولاً عن مسار خفض الفائدة الذي بدأه البنك في ديسمبر الماضي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من أن يؤدي استمرار ارتفاع تكاليف الطاقة إلى اتساع نطاق الضغوط السعرية داخل الاقتصاد البريطاني.
الحرب ترفع تكلفة الطاقة وتزيد مخاطر التضخم
تتمثل أبرز التحديات أمام صانعي السياسة النقدية في بريطانيا في استمرار الحرب الأميركية الإيرانية، التي دفعت أسعار النفط إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي إلى نحو ثلاثة أمثال مستوياتها قبل اندلاع الصراع.
وتزيد هذه التطورات من احتمالات انتقال ارتفاع تكاليف الطاقة إلى أسعار السلع والخدمات، خصوصاً إذا استمرت لفترة أطول، بما قد يجعل احتواء التضخم أكثر صعوبة ويحد من قدرة البنك المركزي على الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير.
وسجل معدل التضخم في بريطانيا 3.5% خلال سبتمبر، متجاوزاً توقعات الاقتصاديين، كما جاء أعلى من المستوى البالغ 3% الذي توقعه بنك إنجلترا في تقديراته الصادرة أواخر يوليو. ويظل التضخم بذلك أعلى بكثير من مستهدف البنك البالغ 2%، بعدما ظل فوق هذا المستوى خلال معظم السنوات الخمس الماضية.
وترى هيتال ميهتا، كبيرة الاقتصاديين لدى شركة «سانت جيمس بليس» لإدارة الثروات، أن ارتفاع أسعار الطاقة قبل بضعة أشهر، إلى جانب ظهور مؤشرات أكثر حداثة على صمود النمو الاقتصادي، قد دفع أعضاء لجنة السياسة النقدية إلى ترجيح رفع الفائدة.
صمود الاقتصاد يعقّد مهمة البنك المركزي
لا تقتصر مخاوف البنك على ارتفاع أسعار الطاقة، إذ أظهر الاقتصاد البريطاني قدرة على الصمود بصورة تجاوزت التوقعات، وهو ما قد يمنح الشركات مساحة أكبر لتمرير الزيادات في التكاليف إلى المستهلكين.
وسجل الناتج المحلي الإجمالي في أغسطس أكبر زيادة سنوية منذ عام 2022، كما حقق الاقتصاد البريطاني خلال النصف الأول من العام أحد أسرع معدلات النمو بين دول مجموعة السبع، بالتساوي مع بعض الاقتصادات الأخرى في المجموعة. وربما أسهم الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي في دعم النشاط الاقتصادي خلال الفترة الماضية.
وكان محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي قد أشار في أكتوبر إلى أن الشركات تبدو أكثر قدرة على استيعاب ارتفاع التكاليف مقارنة بعام 2022، عندما قفز التضخم إلى 11% عقب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا.
ومع ذلك، لا تزال هناك مؤشرات محدودة على انتقال الضغوط التضخمية إلى الأجور، وهو ما يعرف بالتأثيرات التضخمية من الدرجة الثانية. وتتوقع الشركات أن تبلغ الزيادات السنوية في الأجور نحو 3.5% خلال العام المقبل، وهو مستوى قريب من الزيادات المتوقعة لعام 2026.
كما لم يُحدث أول موازنة سنوية لوزير المالية جون هيلي، التي أُعلنت الأسبوع الماضي، تغييراً كبيراً في التوقعات المتعلقة بالنمو أو التضخم، ما يترك البنك أمام مفاضلة بين التحرك المبكر لمواجهة ارتفاع الأسعار وانتظار دلائل أوضح على اتساع نطاق الضغوط التضخمية.
انقسام داخل البنك بشأن وتيرة التشديد النقدي
يعكس الانقسام داخل لجنة السياسة النقدية اختلافاً في تقييم توقيت التحرك المناسب؛ إذ يرى بعض الأعضاء ضرورة ظهور مؤشرات أولية على انتقال ارتفاع الأسعار إلى الأجور والتضخم الأساسي قبل رفع الفائدة، بينما يخشى آخرون أن يؤدي الانتظار إلى تأخر البنك في مواجهة التضخم.
وكان بيلي قد برر الإبقاء على
أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعات سابقة بالإشارة إلى الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة بالسوق منذ اندلاع الحرب، بعدما تخلّى المستثمرون عن توقعاتهم السابقة بخفض الفائدة البريطانية خلال العام الحالي، وهو ما انعكس بالفعل على تكلفة الرهون العقارية.
في المقابل، تشعر بعض أعضاء اللجنة، ومن بينهم كاثرين مان، بالقلق من أن تكون الزيادة في توقعات أسعار الفائدة مرتبطة بمخاوف المستثمرين من فقدان البنك السيطرة على التضخم، وليس فقط بتغير التوقعات الاقتصادية.
وتسعّر الأسواق المالية حالياً ثلاثة ارتفاعات إضافية على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس خلال العام المقبل، بعد الزيادة المتوقعة في نوفمبر، وهو ما قد يدفع أسعار الفائدة البريطانية إلى مستويات تتجاوز التوقعات الخاصة بالولايات المتحدة.
لكن هذه التوقعات لا تحظى بإجماع بين الاقتصاديين، بعدما ثبت في مناسبات سابقة أن رهانات الأسواق على تشديد نقدي واسع النطاق كانت مبالغاً فيها.
ويتوقع بيدر بيك فريس، الاقتصادي لدى شركة «بيمكو» لإدارة الاستثمارات، أن يرفع بنك إنجلترا الفائدة مرة واحدة فقط خلال العام المقبل، على الأرجح في فبراير، قبل تثبيتها لفترة ممتدة، مشيراً إلى أن الاقتصاد البريطاني يبدو أضعف من نظيره الأميركي.
ويرى أن رفع الفائدة في هذه المرحلة قد يكون إجراءً احترازياً لإدارة المخاطر، وليس بداية دورة تشديد نقدي طويلة، خصوصاً إذا لم تظهر تأثيرات واضحة لارتفاع تكاليف الطاقة على التضخم الأساسي.
وبذلك، لا تتوقف أهمية القرار المرتقب عند الزيادة المحتملة في تكلفة الاقتراض، بل تمتد إلى تحديد مدى استعداد بنك إنجلترا لتحمل تباطؤ النمو مقابل إعادة التضخم إلى مستهدفه، في وقت تظل فيه تطورات الحرب وأسواق الطاقة عاملاً رئيسياً في رسم مسار السياسة النقدية البريطانية خلال الفترة المقبلة.