قال مصدرون صينيون إن ارتفاع قيمة اليوان خلال الفترة الأخيرة جعل منتجاتهم أكثر تكلفة في الأسواق الخارجية، وقلّص هوامش أرباحهم المحدودة بالفعل، ما يضع بكين أمام معضلة صعبة بين مطالب شركائها التجاريين بالسماح للعملة بالارتفاع، ومخاوفها من أن يؤدي ذلك إلى الإضرار بالصادرات والوظائف وأحد المحركات القليلة الموثوقة للنمو الاقتصادي، في ظل استمرار ضعف الطلب المحلي.
قال تشين ليفنغ، الذي يدير
شركة صينية لتصدير الملابس إلى أوروبا، إن الارتفاع الأخير في قيمة اليوان جعل منتجات شركته
أكثر تكلفة، وأدى إلى تآكل معظم هوامش أرباحها.
وأضاف تشين، مالك شركة نينغبو تنغشنغ للملابس في مقاطعة تشجيانغ شرقي الصين: «لقد أثر ذلك في قدرتنا على الحصول على طلبات، ولم يعد لدينا تقريباً أي هامش ربح، وإذا استمر اليوان في الارتفاع، فلن نتمكن من مواصلة العمل».
وتسلط مخاوفه الضوء على معضلة تواجه صانعي السياسات في بكين، ففي الوقت الذي يرى فيه قادة أوروبيون ومسؤولون في صندوق النقد الدولي أن اليوان لا يزال مقوّماً بأقل من قيمته الحقيقية، بما يمنح المصدرين الصينيين ميزة تنافسية غير عادلة، يخشى صانعو السياسات في الصين أن يؤدي ارتفاعه السريع إلى تقليص هوامش أرباح المصدرين، وتهديد الوظائف، وإضعاف أحد محركات النمو الاقتصادي الموثوقة، في ظل استمرار ضعف الطلب المحلي.
ارتفاع اليوان يثير قلق المصدرين
ويقول البنك المركزي الصيني إن الفوائض التجارية القياسية للصين ترجع بدرجة أكبر إلى التطور الصناعي وليس إلى قيمة اليوان، الذي ارتفع بنحو 5% أمام الدولار الأميركي و9% أمام اليورو منذ بداية العام.
ويتوقع معظم المحللين الذين تحدثت إليهم رويترز اتخاذ خطوات تدريجية لإبطاء مكاسب اليوان، رغم أن قلة منهم تتوقع تغييراً جذرياً في سياسة العملة، ما يزيد احتمالات تصاعد التوترات التجارية مع الشركاء الذين يطالبون بعملة صينية أقوى.
وكان بنك الشعب الصيني قد أعلن، الثلاثاء، رفع نسبة الاحتياطيات المطلوبة من المؤسسات المالية بالعملات الأجنبية، في إشارة إلى عدم ارتياحه للارتفاع السريع في قيمة اليوان.
ويمكن للبنك المركزي زيادة هذه الاحتياطيات بصورة أكبر، إذ لا تزال أقل بثلاث نقاط مئوية من ذروتها المسجلة في عام 2021، وتشمل الأدوات الأخرى مطالبة البنوك بصورة غير رسمية بتوجيه اليوان نحو الانخفاض، وتحديد أسعار استرشادية يومية أضعف للعملة، وتخفيف القواعد المنظمة للاستثمارات الخارجية، أو فرض علاوات على عقود شراء الدولار الآجلة.
وقال دينغ مو تشياو، المحلل في بنك التجار الصيني (CMB): «لا يزال هناك مجال لإجراء مزيد من التعديلات إذا لزم الأمر».
ويُعد تقلص هوامش أرباح المصدرين أحد الأسباب التي تجعل بكين مرجحة لمقاومة الدعوات الأوروبية إلى تبني دبلوماسية للعملات على غرار اتفاق بلازا عام 1985 بين الولايات المتحدة واليابان وألمانيا وفرنسا، الذي أدى إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار.
ووصف باحثون صينيون الاتفاق منذ فترة طويلة بأنه شكل من أشكال الضغط الأميركي، محملين إياه مسؤولية عقود من الركود في اليابان، رغم أن الدول الأخرى الموقعة عليه لم تشهد المصير نفسه.
وقال تشو نينغ، أستاذ التمويل ورئيس مجلس إدارة معهد شنغهاي المتقدم للتمويل: «يدرك صانعو السياسات الصينيون جيداً الصدمات والتداعيات التي واجهتها اليابان عقب اتفاق بلازا».
لا ملاذ للمصدرين من ضغوط العملة
وقال تشو إن ارتفاع قيمة اليوان يؤثر بصورة غير متناسبة في المصدرين ذوي القيمة المضافة المنخفضة، بدءاً من المنسوجات وصولاً إلى الأجهزة المنزلية، وهي قطاعات تعتمد على العمالة بدرجة أكبر مقارنة بالشركات المصنعة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، التي قادت نمو التجارة مؤخراً.
ويتوقع غولدمان ساكس ارتفاع قيمة العملة الصينية إلى 6.40 يوان مقابل الدولار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مقارنة بنحو 6.70 يوان حالياً.
وأضاف تشو أن هذه الشركات قد تضطر إلى تقليص أنشطتها وتسريح موظفيها، ما يضر بالاستهلاك المحلي.
وأظهر تحليل أجرته رويترز لـ5209 شركات صينية مدرجة في البورصة، تبلغ قيمتها السوقية 100 مليون دولار على الأقل، أن متوسط هامش صافي الربح بلغ 4.9% خلال النصف الأول من العام، مقارنة بنحو 8.9% لدى 9733 شركة منافسة حول العالم.
ووجدت دراسة منفصلة أجرتها مجموعة ناتيكسيس أن هوامش الأرباح في قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات ومعدات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وأشباه الموصلات، وهي قطاعات تعتبرها بكين صناعات استراتيجية للمستقبل، بلغت 2% فقط.
وقال محللون إن هذه الأرقام استفادت من انخفاض أسعار الفائدة، وإنها مدفوعة بدرجة أكبر بخفض التكاليف وليس نمو الإيرادات.
وكتب المحللون في مذكرة: «إن الصناعات التي يُفترض أن تقود نموذج النمو الصيني المقبل تعتمد على البنك المركزي للحفاظ على سلامتها المالية، بقدر اعتماد الصناعات التي كان من المفترض أن تحل محلها».
وتقدر مجموعة ستاندرد بنك أن كل ارتفاع بنسبة 1% في سعر الصرف الفعلي الحقيقي لليوان (REER)، وهو مقياس لقيمة العملة بعد تعديلها وفقاً للتضخم مقارنة بعملات الشركاء التجاريين، يؤدي إلى خفض متوسط هوامش أرباح الصادرات بنحو 30 نقطة أساس.
وقال كريستوفر بيدور، نائب مدير أبحاث الصين في مؤسسة غافيكال دراغونوميكس، إن الارتفاع السريع في قيمة اليوان سيضر بالمصدرين والنمو على الفور، مضيفاً أن «صانعي السياسات في الصين يتسمون بالحذر الشديد بما لا يسمح لهم بالمخاطرة بذلك».
وقال تشن شيوجون، رئيس مجلس إدارة شركة فوجيان هوشينغ للبلاستيك في مدينة فوتشو جنوب شرقي الصين، إن «الطاقة الإنتاجية الفائضة والمنافسة الشرسة» في السوق المحلية تدفع شركته للبحث عن عملاء في الخارج، حيث تواجه تأثير ارتفاع قيمة اليوان.
هوامش الأرباح تتآكل تحت ضغط المنافسة
قال صندوق النقد الدولي في يوليو تموز إن سعر الصرف الفعلي الحقيقي لليوان أقل من قيمته العادلة بنسبة تتراوح بين 17.3% و25.3%، فيما قدر المستشار الألماني فريدريش ميرتس هذا الانخفاض بنحو 25% إلى 30%.
ورغم ارتفاع قيمة اليوان منذ ذلك الحين، تظهر بيانات بنك التسويات الدولية أن سعر الصرف الفعلي الحقيقي للعملة ظل في سبتمبر أيلول أقل بنحو 14% من ذروته المسجلة في مارس آذار 2022.
ويتزامن هذا التراجع مع ما يصفه صانعو السياسات الغربيون بـ«صدمة الصين 2.0»، وهي موجة من الصادرات الصينية المتطورة بصورة متزايدة، يقولون إنها تهدد الصناعات والوظائف المحلية.
في المقابل يؤكد بنك الشعب الصيني أن بكين لم تسعَ مطلقاً إلى خفض تنافسي لقيمة العملة، وأن اليوان يتحرك إلى حد كبير وفقاً لآليات السوق، وأن قيمته عادلة وفقاً لنماذج تقييم أخرى.
وتصاعد النقاش بين الاقتصاديين بشأن الاختلالات الاقتصادية في الصين؛ إذ يرى مسؤولان سابقان في صندوق النقد الدولي، هما غيتا غوبيناث وبيير أوليفييه غورينشاس، إلى جانب أستاذة كلية لندن للأعمال هيلين ري، أن سعر الصرف يمثل عرضاً للمشكلة أكثر من كونه سبباً لها، وأن ارتفاع قيمة اليوان دون تعزيز الطلب المحلي قد يؤدي إلى تعميق الضغوط الانكماشية.
في المقابل، يرى براد سيتسر من مجلس العلاقات الخارجية أن بكين تدير قيمة اليوان لدعم المصدرين، وأن ارتفاع العملة يعزز القوة الشرائية للأسر.
وقال مالك مصنع للأدوات الصحية في مدينة ونتشو إن الشركات المصنعة تواجه ضغوطاً مالية على جبهات متعددة.
وأضاف تشيو، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسم عائلته بسبب حساسيات قانونية: «إن ارتفاع قيمة اليوان، إلى جانب تشديد متطلبات الامتثال الضريبي والتأمين الاجتماعي وقوانين العمل، يؤدي تدريجياً إلى تآكل ما تبقى لدينا من هوامش أرباح».
وتابع: «لقد تقلصت هوامش الأرباح بالفعل إلى أدنى مستوياتها».
(رويترز)