روبوتات بنبرة بشرية.. كيف يسرق المحتالون أموالك بصوت أقرب الناس إليك؟

عمليات الاحتيال بالذكاء الاصطناعي تتصاعد (شترستوك)
الاحتيال عبر الذكاء الاصطناعي التوليدي
عمليات الاحتيال بالذكاء الاصطناعي تتصاعد (شترستوك)

تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي من تقنية مبهرة إلى سلاح احتيال منخفض التكلفة، مع تصاعد عمليات تقليد الأصوات التي تستهدف الأسر والأفراد والشركات عبر مكالمات هاتفية تبدو حقيقية إلى حد يصعب كشفه.

وبحسب تقرير لشبكة (CNN)، قالت أُمٌ من ولاية كاليفورنيا إنها خسرت آلاف الدولارات هذا الشهر بعد تلقيها مكالمة هاتفية بدا فيها صوت ابنتها وكأنها في حالة استغاثة، وبعد تحويل الأموال، اكتشفت أن ابنتها كانت في عملها ولم تتعرض لأي خطر، ما عزز الشكوك في أن المكالمة كانت خدعة مولدة بالذكاء الاصطناعي.

القضية ليست فردية، فهذه الحوادث تأتي ضمن موجة أوسع من عمليات الاحتيال المعروفة باسم «تقليد الأصوات»، حيث بات بإمكان المحتالين استخدام ثوانٍ قليلة فقط من تسجيل صوتي حقيقي لإنشاء نسخة رقمية مقنعة من صوت شخص ما.

خسائر بمئات الملايين

خسر الأميركيون أكثر من 893 مليون دولار العام الماضي؛ بسبب عمليات احتيال مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفقاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وتشمل هذه الخسائر هجمات تقليد الأصوات، ورسائل التصيد الإلكتروني المولدة بالذكاء الاصطناعي، وعمليات الاحتيال العاطفي، وغيرها من الخدع الرقمية.

وتكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لا تستهدف الغرباء فقط، بل تنتحل أصوات أشخاص موثوقين: أبناء، آباء، أصدقاء، زملاء عمل أو حتى مهنيين يتعامل معهم الضحية بانتظام.

وحذّرت بنوك، من بينها بنك ستارلينغ البريطاني وبنك الكومنولث الأسترالي، عملاءها من اتساع هذا النوع من الاحتيال.

أصوات يصعب تمييزها

يقول خبراء إن جودة الأصوات المولدة بالذكاء الاصطناعي وصلت إلى مستوى يجعل معظم الأشخاص غير قادرين على التفريق بينها وبين الأصوات البشرية الحقيقية.

وقال هنري أجدر، الخبير في الوسائط المولدة بالذكاء الاصطناعي والمستشار للحكومات والشركات، إنه لم يعد من المنطقي توقع أن يتمكن الشخص العادي من كشف هذه الخدع، مضيفاً أن حتى المتخصصين يواجهون صعوبة في ذلك.

ويعني ذلك أن المؤشرات التقليدية، مثل نبرة الصوت غير الطبيعية أو التوقفات الغريبة أثناء الحديث، لم تعد كافية للحكم على صحة المكالمة، خصوصاً مع تطور تقنيات تحويل النص إلى كلام وتزييف الصوت في الوقت الفعلي.

كيف تُدار الخدعة؟

يعتمد المحتالون عادة على جمع تسجيل قصير لصوت الضحية أو الشخص المراد انتحال صوته، غالباً من مقاطع منشورة على وسائل التواصل الاجتماعي أو من مكالمات سابقة يتم تسجيلها خلسة.

وبعد ذلك، تُستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي لإعداد نسخة صوتية يمكن تشغيلها أو استخدامها في محادثة مباشرة، وتوفر المنصات الاجتماعية للمحتالين طبقة إضافية من المعلومات، إذ تتيح معرفة أسماء أفراد العائلة والأصدقاء، وطبيعة العلاقات بينهم، وأماكن العمل أو الدراسة، ما يجعل سيناريو الاحتيال أكثر إقناعاً.

غالباً ما يقوم المحتالون بإيهام الضحية بأن الشخص الذي ينتحلون صوته في ورطة عاجلة، مثل الاختطاف أو الاحتجاز أو التعرض لحادث، ثم يطلبون تحويل أموال بسرعة تحت ضغط الخوف والوقت.

ونقلت (CNN) عن المحامي غاري شيلدهورن، من فيلادلفيا، الذي تعرض لمحاولة احتيال بصوت يقلد ابنه، قوله إن الموقف لم يترك له وقتاً للتفكير، وإن كل ما شغله في تلك اللحظة كان التحرك لمساعدة ابنه.

انتحال الرقم يزيد الخطر

لا تقتصر الخدعة على الصوت فقط، فبإمكان المحتالين أيضاً استخدام تقنية انتحال هوية المتصل، بحيث يظهر رقم معروف على شاشة الهاتف، ما يجعل المكالمة تبدو وكأنها واردة فعلاً من أحد أفراد العائلة أو الأصدقاء؛ وهذا يعني أن الاعتماد على اسم المتصل أو رقمه لم يعد كافياً للتحقق من الهوية، خصوصاً في المكالمات التي تتضمن طلبات مالية عاجلة أو تعليمات بعدم إبلاغ أي شخص آخر.

كيف تحمي نفسك؟

ينصح الخبراء بعدم التركيز فقط على محاولة تحديد ما إذا كان الصوت حقيقياً أم لا، بل مراقبة علامات الاحتيال الأوسع، ومن أبرز هذه العلامات: خلق شعور شديد بالاستعجال، فرض موعد نهائي قصير، مطالبة الضحية بعدم إخبار أحد، أو طلب تحويل أموال كبيرة بطرق غير معتادة مثل التحويلات الفورية أو بطاقات الهدايا أو العملات المشفرة.

وقال هاني فريد، الأستاذ في جامعة كاليفورنيا في بيركلي وكبير المسؤولين العلميين في شركة (GetReal Security)، لشبكة (CNN)، إن الأسئلة الأهم يجب أن تتركز حول طبيعة الطلب وسلوك المتصل، لا حول جودة الصوت فقط، وفي حال تلقي مكالمة مريبة، يوصي الخبراء بإنهاء الاتصال مؤقتاً ومحاولة التواصل مع الشخص المعني عبر قناة أخرى، مثل إرسال رسالة نصية، أو الاتصال به من هاتف آخر، أو سؤال شخص موثوق يعرف مكانه.

كما يمكن للعائلات وزملاء العمل الاتفاق مسبقاً على «كلمة سر» أو عبارة تحقق لا يعرفها سوى عدد محدود من الأشخاص، ولا يمكن العثور عليها عبر الإنترنت أو على حسابات التواصل الاجتماعي.

قاعدة ذهبية: تحقق قبل الدفع

تكشف موجة الاحتيال الصوتي أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خطراً تقنياً بعيداً، بل أداة يومية يمكن استخدامها لاستغلال الخوف والثقة والعلاقات الشخصية.

وبحسب (CNN)، فإن أفضل دفاع لم يعد محاولة التفوق على التقنية، بل إبطاء رد الفعل العاطفي، والتحقق من هوية المتصل عبر وسيلة مستقلة، وعدم تحويل الأموال تحت الضغط.

(كلير دافي- CNN)