التضخم أشبه بالمخدر.. وواشنطن مدمنة عليه

التضخم إدمان.. وواشنطن غارقة فيه (مصنوعة من قِبل الذكاء الاصطناعي)
التضخم إدمان.. وواشنطن غارقة فيه
التضخم إدمان.. وواشنطن غارقة فيه (مصنوعة من قِبل الذكاء الاصطناعي)

ارتفاع الأسعار يدفع الأميركيين إلى فقدان الثقة بالاقتصاد، ويضغط على الجمهوريين والديمقراطيين معاً، بينما تؤدي سياسات الإنفاق الضخم والرسوم الجمركية إلى استمرار التضخم وارتفاع عوائد السندات وتكاليف الاقتراض.

حوّلت الأسعار المرتفعة الأميركيين ضد الاقتصاد، وبدأ ذلك يفرض تداعيات حقيقية على واشنطن والأسواق المالية.

فقد أدى التضخم التاريخي إلى إطاحة الناخبين بالديمقراطيين من البيت الأبيض في انتخابات 2024، بينما منحت الأسعار المرتفعة المستمرة وعودة التضخم الرئيس دونالد ترامب معدلات تأييد منخفضة، وتهدد بتحويل السيطرة على الكونغرس إلى الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.

وبالتالي، قد يبدو من المنطقي أن يبذل السياسيون الأميركيون كل ما في وسعهم للسيطرة على الأسعار، لكنهم يفعلون العكس تماماً.

فالشيء الوحيد الذي يبدو أنه يوحد اليسار واليمين في الوقت الحالي هو الاقتصاد الشعبوي، غير أن السياسات التي تغذي التضخم، ومنها الإنفاق الضخم والرسوم الجمركية، من الصعب التخلي عنها، وعلى الجانب الآخر من المعادلة، فإن حلول التضخم، مثل خفض الإنفاق وزيادة الضرائب، تحظى بشعبية محدودة وقد تلحق الضرر بالاقتصاد على المدى القصير.

هذا أحد أسباب دخول سوق السندات في حالة اضطراب، مع ارتفاع عوائد سندات الخزانة خلال الأشهر الأخيرة، وبشكل خاص خلال الأسبوعين الماضيين.

ويدرك مستثمرو السندات أن واشنطن غير قادرة على حل مشكلة التضخم الأساسية، ولذلك يطالبون بعوائد أعلى لتعويضهم عن المخاطر المتزايدة المتمثلة في انخفاض قيمة استثماراتهم بمرور الوقت بسبب ارتفاع الأسعار.

وتؤدي عوائد السندات المرتفعة إلى زيادة أسعار الفائدة على قروض المستهلكين المرتبطة بعوائد سندات الخزانة، بما في ذلك معدلات الرهن العقاري.

وبالتالي، ما لم تكن واشنطن مستعدة لاتخاذ إجراءات جادة بشأن الأسعار، ولا توجد مؤشرات على استعدادها لذلك، فعلى الأميركيين أن يعتادوا على حقبة جديدة من التضخم المرتفع بشكل غير مريح، إلى جانب أسعار الفائدة المرتفعة.

التداعيات السياسية والاقتصادية

يبلغ حجم الاقتصاد الأميركي نحو 31 تريليون دولار، وهو اقتصاد ضخم ومتنوع بدرجة تحول دون أن تؤدي السياسة إلى كسره، لكن السياسة المالية يمكن أن تساعد في تسريع الاقتصاد أو إبطائه.

وفي الوقت الحالي، تتماشى مواقف البيت الأبيض والكونغرس، وكلاهما يدفع الاقتصاد نحو التسارع.

فقد أدى قانون «One Big Beautiful Bill Act» العام الماضي إلى خفض الضرائب وزيادة الإنفاق، كما كلفت الحرب في إيران الحكومة الأميركية عشرات المليارات من الدولارات.

ولا تخلو بعض هذه السياسات من جوانب إيجابية؛ إذ إن البطالة منخفضة، وسوق الأسهم يقترب من مستويات قياسية، وأسعار المنازل ترتفع، والإنفاق الاستهلاكي يتزايد، خصوصاً بين الأميركيين الأكثر ثراءً ممن لديهم قروض عقارية واستثمارات في الأسواق.

كما أن إنفاق الشركات أقوى من أي وقت مضى، ولا سيما في قطاع التكنولوجيا، الذي ينفق نحو تريليون دولار هذا العام على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، لكن التداعيات ليست إيجابية بالكامل.

فقد أسهمت أسعار النفط والرسوم الجمركية والذكاء الاصطناعي في رفع التضخم على المدى القريب، لكنها ليست الأسباب الوحيدة، إذ ظلت زيادات الأسعار أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% طوال العقد الحالي.

ويشير التضخم المرتفع بشكل غير مريح إلى أن الاقتصاد قد يكون بصدد التعرض لارتفاع مفرط في النشاط.

وقال جو بروسويلاس، كبير الاقتصاديين في شركة آر إس إم أميركا «السياسة المالية التوسعية عندما يكون التوظيف عند مستويات كاملة والأسعار تنمو بأعلى من الاتجاه العام، تكون غير مناسبة إلى حد كبير».

درس جائحة كورونا

كانت هناك أوقات شكّلت فيها الاستجابة المالية من هذا النوع الخيار الصحيح تماماً.

فقد تحركت الحكومة الأميركية والاحتياطي الفيدرالي بشكل متزامن في عامي 2020 و2021 من خلال حزمة تحفيز اقتصادي غير مسبوقة، لإعادة الأميركيين إلى سوق العمل وتعويضهم عن اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية خلال جائحة كورونا.

وأدى ذلك إلى أعلى معدل تضخم في 40 عاماً، لكنه أسهم في خفض أعلى معدل للبطالة منذ الكساد الكبير خلال فترة قصيرة.

وقال بروسويلاس: «بصفتي اقتصادياً، سأقبل هذه المقايضة في كل مرة».

غياب الاستعداد للتحرك

غالباً ما يتردد السياسيون في اتخاذ إجراءات صعبة مثل خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، حتى في أفضل الظروف.

لكن السنوات الأخيرة شهدت صعوداً للسياسات الشعبوية على جانبي الطيف السياسي، ما جعل احتمال اللجوء إلى هذه الإجراءات أبعد من أي وقت مضى.

وكانت آخر مرة تمكنت فيها الحكومة الأميركية من السيطرة على إنفاقها في 1998، ضمن جهود قادها الرئيس السابق بيل كلينتون ووزير الخزانة روبرت روبن.

فقد حققت الحكومة موازنة متوازنة، ما يعني أنها، ولأول مرة منذ 1969، أنفقت أموالاً أقل من إيراداتها.

لكن ذلك انعكس في عام 2001 بعد إقرار قانون لخفض الضرائب، ومنذ ذلك الحين لم تعد الحكومة إلى مسار ضبط الإنفاق.

ولعل الأهم أن الحزب الجمهوري تخلى إلى حد كبير حتى عن المظهر الخارجي للاهتمام بخفض عجز الموازنة، خصوصاً خلال الولاية الثانية لترامب.

ترامب والديون الأميركية

تحدث ترامب كثيراً عن ضرورة السيطرة على العجز، وتعهد في عام 2016 بسداد كامل الدين الوطني خلال ثماني سنوات، وهو هدف غير قابل للتحقيق تماماً، لكنه بدلاً من ذلك واصل زيادة الديون بوتيرة سريعة.

وبدأ ولايته الثانية بإنشاء وزارة الكفاءة الحكومية «DOGE»، التي حققت وفورات لا تمثل سوى جزء ضئيل من الهدف البالغ تريليون دولار الذي سبق أن حدده رئيسها السابق إيلون ماسك، كما أن إدارة ترامب بالغت بصورة كبيرة في تقدير حجم تلك الوفورات.

ومنذ ذلك الحين، أقر ترامب والجمهوريون في الكونغرس قانوناً يتعلق بالهجرة والضرائب، قال مكتب الميزانية في الكونغرس إنه سيضيف 4.7 تريليون دولار إلى الدين خلال 10 سنوات، بينما تجاهلت الإدارة تلك الأرقام من خلال استخدام ما وصفه منتقدون بأنه أساليب محاسبية مبتكرة.

والآن تقترح الإدارة زيادة ضخمة بنسبة 40% في الإنفاق الدفاعي السنوي، ليصل إلى 1.5 تريليون دولار.

وأثار بعض الجمهوريين من حين لآخر مخاوف بشأن تكلفة مقترحات ترامب، لكن الرئيس أظهر قدرة كبيرة على دفع حزبه إلى تبني ما يريده.

وهكذا، حتى بعد أن تجاوز الدين الوطني الأميركي مؤخراً حاجز 40 تريليون دولار، لم يصدر عن «حزب المسؤولية المالية» سوى قدر ضئيل للغاية من الاعتراض.

وعلى الرغم من أن ترامب ينضم أحياناً إلى الديمقراطيين في الحديث عن فرض ضرائب على الأثرياء، فإنه أظهر التزاماً محدوداً بهذا التوجه، كما سيكون من الصعب للغاية على الديمقراطيين الحصول على دعم الجمهوريين لهذه الفكرة.

إلى أين يتجه الاقتصاد الأميركي؟

أعلن رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش الحرب على التضخم، متعهداً، على الأقل لفظياً، باتخاذ إجراءات صارمة للسيطرة على الأسعار.

وقد يشمل ذلك رفع أسعار الفائدة لدى الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يمكن أن يؤدي بدوره إلى زيادة تكاليف الاقتراض وإبطاء الاقتصاد.

لكن أداة الفائدة لدى الفيدرالي أداة غير دقيقة، وقد تترتب عليها تداعيات غير مقصودة، من بينها إبطاء وتيرة التوظيف.

ومع ذلك، لا يستطيع الاحتياطي الفيدرالي التحرك بمفرده.

إذ يجب أن تتماشى السياسة المالية مع السياسة النقدية، حتى لا يعمل السياسيون وصانعو السياسة النقدية في اتجاهين متعارضين.

ويمكن سؤال رئيس الفيدرالي السابق جيروم باول عن رأيه في سياسة ترامب للرسوم الجمركية أو موجة الإنفاق الديمقراطي في بداية العقد، إذ لم يبدُ أنه كان راضياً كثيراً عن أي منهما.

خطر دوامة التضخم والديون

في الوقت الحالي، يتمثل الأثر الرئيسي لموجة الإنفاق الحكومي في ارتفاع تكاليف المعيشة والاقتراض، لكن الوضع قد يتصاعد ويدخل في دوامة خارجة عن السيطرة.

ومع ذلك، من المهم التأكيد على أن الولايات المتحدة لا تقترب من أزمة في الوقت الحالي.

فالاقتصاد والقطاع المالي يتمتعان بصحة جيدة، والأسواق تشهد ازدهاراً، ولا يزال المستثمرون يرغبون في الاحتفاظ بالدولار وسندات الخزانة الأميركية باعتبارهما من الأصول الآمنة.

كما لا تزال الحكومات الأجنبية، وبشكل متزايد المستثمرون الأفراد، مستعدين لإقراض الولايات المتحدة.

لكن إذا استمرت السياسة المالية التوسعية لفترة طويلة، فقد ينتهي الأمر إلى أزمة مصرفية وأزمة في العملة، وفقاً لبروسويلاس، كبير الاقتصاديين في آر إس إم أميركا RSM US.

وقال بروسويلاس: «في مرحلة ما، سيتعين على شخص ما أن يتجرع دواءً شديد الصعوبة ويرفع الضرائب. نحن نعرف كيف تنتهي هذه القصة».