لماذا يقلق صعود وول ستريت المستثمرين بدل أن يطمئنهم؟

لماذا يقلق صعود وول ستريت المستثمرين بدل أن يطمئنهم؟
أسيل العرنكي clock

أسيل العرنكي

مديرة قسم الأبحاث والتحليل بشركة River Prime

تقف الأسواق المالية العالمية اليوم عند مفترق طرق لافت؛ فبينما تتجه البورصة الأميركية نحو تحقيق أفضل أداء فصلي لها منذ نحو ست سنوات، تتصاعد في الوقت ذاته أصوات تحذّّر من احتمال حدوث تصحيح حاد قد يعصف بهذا الزخم.

وفي موازاة ذلك، يشهد النظام النقدي العالمي تحولاً بطيئاً لكنه له دلالاته، مع بدء البنوك المركزية تقليص انكشافها على الدولار الأميركي.

هذان المساران، وإن بدا كل منهما مستقلاً عن الآخر، يعكسان في جوهرهما القلق ذاته؛ أسواق مرتفعة تعتمد على قاعدة ضيقة من المحركات، في وقتٍ تتراجع فيه بعض اليقينيات التي اعتاد المستثمرون البناء عليها لعقود.

فالأداء القوي للمؤشرات الأميركية ليس مؤشراً كافياً وحده على متانة السوق، إذ يكفي النظر إلى التقييمات لفهم حجم المخاطرة الكامنة خلف هذا الصعود.

فقد دخل المؤشر العام الحالي بمعدل سعر إلى ربحية مستقبلي يقترب من 22 مرة، وهو مستوى لم يتجاوزه السوق سوى مرتين فقط خلال العقود الأربعة الماضية، إبان فقاعة "الدوت كوم" في مطلع الألفية، وخلال جائحة كورونا.

والمفارقة أن كلتا الحالتين انتهتا بموجة هبوط حادة، ما يجعل من هذا المستوى التاريخي للتقييمات إشارة تحذير لا يمكن تجاهلها، بصرف النظر عن قوة الزخم الحالي.

يضاف إلى ذلك عامل بنيوي لا يقل أهمية يتمثل في ضيق قاعدة الارتفاع؛ فالصعود الحالي لا يعكس صحة عامة وشاملة في السوق، بل يعتمد بشكل رئيسي على عدد محدود من أسهم شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى.

هذا التركّز يجعل المؤشرات أكثر هشاشة مما تبدو عليه ظاهرياً، إذ يكفي تعثر عدد قليل من هذه الشركات القائدة لإحداث اضطراب واسع في أداء السوق ككل.

أما العامل الثالث، فهو سلوكي بامتياز، ويتمثل في بلوغ إقبال المستثمرين على المخاطرة مستويات قصوى، وهو نمط سلوكي غالباً ما سبق تاريخياً موجات التصحيح الحادة؛ وبالتالي، فإن المخاوف الراهنة لا تنبع من ضعف اقتصادي قائم بالفعل، بل من اجتماع ثلاثة عوامل: تقييمات قريبة من مستويات تاريخية حساسة، وارتفاع مرتكز على قاعدة ضيقة من الأسهم، وهامش أمان ضئيل أمام أي مفاجأة سلبية قد تعيد ترتيب أولويات المستثمرين بسرعة.

الدولار.. قوة راهنة تواجه تحولاً بطيئاً في الأفق

على الضفة الأخرى من المشهد المالي العالمي، تكشف توقعات منتدى المؤسسات المالية والنقدية الرسمية عن اتجاه متنامٍ لدى البنوك المركزية نحو تقليص انكشافها على الدولار الأميركي.

وعلى الرغم من أن هذا التوجه يحمل دلالات سلبية واضحة على قوة العملة الأميركية على المدى الطويل، فإن تأثيره المتوقع سيكون تدريجياً وليس فورياً، بما ينسجم مع طبيعة التحولات البنيوية في النظام النقدي الدولي، التي عادة ما تستغرق سنوات لتترجم إلى تحول فعلي في موازين القوى.

اللافت في هذا السياق أن هذه هي المرة الأولى التي يُرصد فيها تحول صافٍ بعيداً عن الدولار، في ظل مخاوف متصاعدة من عدم الاستقرار السياسي الأميركي والمخاطر الجيوسياسية المتنامية عالمياً.

ويترافق هذا التحول مع إقبال ملحوظ من البنوك المركزية على الذهب كأصل بديل وآمن، إذ ترتفع نسبة البنوك المركزية التي تحتفظ فعلياً بالذهب إلى 82%، مقارنة بـ71% فقط في العام الماضي، في مؤشر واضح على إعادة تموضع مؤسسي واسع النطاق في إدارة الاحتياطيات النقدية.

ومع ذلك، تظل الصورة الراهنة للدولار مغايرة تماماً لهذا المسار طويل الأمد.

فالعملة الأميركية لا تزال تحافظ على قوتها، مسجّلة ارتفاعاً بنحو 3% منذ بداية العام، مدعومة بارتفاع أسعار الفائدة الأميركية، والطلب المستمر على الأصول الأميركية، وتدفقات الملاذ الآمن التي لا تزال تفضّل الدولار في أوقات عدم اليقين العالمي.

كما أن مكانته كعملة احتياط رئيسية لم تتزعزع بعد بشكل جوهري، إذ يتوقع معظم المستطلعين أن يستمر الدولار في تشكيل أكثر من نصف الاحتياطيات النقدية العالمية خلال العقد المقبل.