في العادة، يُفترض أن يكون نجاح أي اقتصاد أوروبي خبراً ساراً لبقية دول الاتحاد، لكن ما يحدث مع إسبانيا اليوم يبدو مختلفاً فبينما تحقق مدريد واحداً من أفضل معدلات النمو في القارة، تتزايد في المقابل الخلافات السياسية بينها وبين عدد من شركائها الأوروبيين، لتطرح سؤالاً مهماً: هل أصبح النجاح الاقتصادي يمنح إسبانيا هامشاً سياسياً أوسع، أم أنه يزيد من حدة الخلافات داخل الاتحاد الأوروبي؟
اقتصاد يتفوق على منطقة اليورو
بحسب تحليل لبلومبرغ، يُتوقع أن ينمو الاقتصاد الإسباني بنحو 2.6% خلال العام الجاري، وهو معدل يفوق بكثير متوسط النمو في منطقة اليورو.
ولا يقتصر الأمر على النمو فقط، إذ نجحت إسبانيا خلال أقل من سبع سنوات في مضاعفة قدرتها على إنتاج الكهرباء من طاقتي الرياح والشمس، ما جعلها أقل تعرضًا لتقلبات أسواق الطاقة مقارنة بعدد من الاقتصادات الأوروبية الأخرى.
وفي الوقت نفسه، تمكنت الحكومة الإسبانية من خفض عجز الموازنة، مع الاستمرار في زيادة الإنفاق على برامج الرعاية الاجتماعية، وهي معادلة يصعب على كثير من الحكومات تحقيقها في ظل تباطؤ الاقتصاد الأوروبي وارتفاع أسعار الفائدة.
الهجرة.. أحد أبرز عوامل النجاح
بحسب بلومبرغ، أحد أهم العوامل التي أسهمت في هذا الأداء الاقتصادي هو استمرار تدفق المهاجرين إلى إسبانيا.
فمنذ عام 2000، ارتفع عدد سكان البلاد بأكثر من 20%، مقارنة بأقل من 2% في ألمانيا، وهو ما وفّر قوة عاملة إضافية دعمت النمو الاقتصادي وعززت النشاط الاستهلاكي.
كما تشير بلومبرغ إلى أن الهجرة ساهمت بما يصل إلى 40% من نمو دخل الفرد خلال السنوات الأخيرة، وهو ما جعلها عنصرًا أساسيًا في تفسير الأداء الاقتصادي الإسباني.
الاقتصاد شيء.. والسياسة شيء آخر
ورغم هذا الأداء الاقتصادي اللافت، فإن الخلافات بين مدريد وعدد من شركائها الأوروبيين لا تدور حول النمو نفسه، بل حول مواقفها السياسية.
فإسبانيا ترفض رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، كما يدعو حلف شمال الأطلسي، وتتمسك بالإبقاء عليه عند نحو 2.1% فقط.
وفي المقابل، تدفع الحكومة الإسبانية باتجاه إصدار ديون أوروبية مشتركة لتمويل استثمارات ومشروعات على مستوى الاتحاد، وهو طرح يثير تحفظ دول تتبنى سياسات مالية أكثر تشددًا، مثل ألمانيا وهولندا.
نموذج اقتصادي.. لكن بخيارات سياسية مختلفة
هذا التباين جعل حتى بعض القوى السياسية الأوروبية، التي كانت تنظر بإيجابية إلى التجربة الإسبانية، أكثر حذراً في التعامل معها.
ففي الوقت الذي تحقق فيه مدريد نمواً اقتصادياً أعلى، وعجزاً مالياً أقل، وإنفاقاً اجتماعياً أكبر، فإنها تتبنى أيضاً سياسات تختلف مع عدد من شركائها في ملفات الدفاع والمالية العامة.
وهنا تكمن المفارقة؛ فنجاح إسبانيا الاقتصادي لم يكن سبب الخلاف بحد ذاته، لكنه منحها ثقة أكبر في الدفاع عن سياساتها الخاصة، حتى وإن تعارضت مع توجهات دول أوروبية أخرى.
ويبقى السؤال: هل تتحول التجربة الإسبانية إلى نموذج اقتصادي جديد داخل أوروبا، أم أن اتساع الفجوة السياسية بينها وبين شركائها سيحد من قدرتها على التأثير في مستقبل الاتحاد الأوروبي؟
تم إعداد هذه المقالة لصالح CNN الاقتصادية، والآراء الواردة فيها تمثل آراء الكاتب فقط، ولا تعكس أو تمثل بأي شكل من الأشكال آراء أو وجهات نظر أو مواقف شبكة CNN الاقتصادية.