الذهب والنفط والفائدة.. مثلث الضغط الذي يعيد رسم ملامح الأسواق في 2027

الذهب والنفط والفائدة.. مثلث الضغط الذي يعيد رسم ملامح الأسواق في 2027 (أرشيفية)
الذهب والنفط والفائدة.. مثلث الضغط الذي يعيد رسم ملامح الأسواق في 2027
الذهب والنفط والفائدة.. مثلث الضغط الذي يعيد رسم ملامح الأسواق في 2027 (أرشيفية)
أسيل العرنكي clock

أسيل العرنكي

رئيسة قسم محللي الأسواق المالية في CG Invest

يتداول الذهب عند مستويات 4300 دولار للأونصة، بعد تراجع طفيف محا مكاسب معتدلة كان قد حققها في الجلسات السابقة. ولم يقتصر التراجع على الذهب وحده، إذ هبطت الفضة إلى مستويات 64 دولاراً للأونصة، وتراجع البلاتين والبلاديوم كذلك، في مؤشرٍ على أن موجة الحذر طالت المعادن النفيسة عموماً.

المحرك الرئيسي لهذا الحذر هو تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي، بعدما صوّت البنك المركزي بالإجماع مؤخراً لصالح رفع الفائدة للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات.

وجاءت التصريحات اللاحقة لتعزز نبرة التشدد، إذ حذّر توم باركين، رئيس فرع ريتشموند في الفيدرالي، من أن الصدمات التضخمية قد تستغرق وقتاً طويلاً للتلاشي، وأن هناك خطراً حقيقياً من ترسخ الضغوط السعرية المرتفعة، وإن كان لم يحسم موقفه من الحاجة إلى رفع إضافي.

أما سوزان كولينز، رئيسة فرع بوسطن، فكانت أكثر وضوحاً، إذ رأت أن رفع الفائدة إلى مستوى أكثر تقييداً ضروري لضمان عودة التضخم إلى مستواه المستهدف، مستندة إلى تحسن سوق العمل.

هذا التوجه يُبقي كلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، الذي لا يدر عائداً، مرتفعة، وهو ما يفسّر الضغط على أسعاره رغم الأجواء الجيوسياسية المتوترة في ظل الظروف والمعطيات الراهنة.

في المقابل، شهد خام غرب تكساس الوسيط انخفاضاً حاداً تجاوز 10% منذ الأسبوع الماضي، مدفوعاً بعاملين رئيسيين: تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن اجتماع «جيد جداً» مع مبعوثين إيرانيين في نيويورك، ما أحيا آمالاً حذرة بمخرج دبلوماسي للأزمة الإيرانية-الأميركية، وتقارير عن نية السعودية استئناف صادرات الخام عبر خط أنابيب «شرق-غرب»، بما يُتيح للرياض تجاوز مضيق هرمز.

ويحمل هذا التراجع النفطي أهمية مضاعفة للذهب، فهو يخفف من مخاوف انتقال تكاليف الطاقة إلى التضخم العام، لكنه في الوقت ذاته يقلّص الحاجة إلى مزيد من التشدد النقدي مستقبلاً، وهذا تحديداً ما تراقبه الأسواق بدقة الآن.

وعلى الرغم من الضغوط المتعاكسة على أسعار المعدن الأصفر، يظهر جانب آخر داعم للطلب يتمثل في واردات الصين، أكبر مستهلك للذهب عالمياً، التي تجاوزت ألف طن حتى أغسطس، متخطية بذلك إجمالي واردات عام 2025 بأكمله بالفعل، مدعومة بانخفاض الأسعار العالمية وارتفاع قيمة اليوان أيضاً.

تضخم عنيد يفتح الباب أمام رفع الفائدة في 2027

تتجه الأنظار بشكل متزايد نحو مسار السياسة النقدية الأميركية، بعدما بدأت مؤشرات التضخم تعكس ضغوطاً أكثر ثباتاً مما كان متوقعاً. فقد أخذت الزيادة في أسعار الطاقة تنتقل تدريجياً إلى نطاق أوسع من السلع والخدمات، ما دفع عدداً من صُنّاع السياسة داخل الفيدرالي إلى إعادة النظر في افتراض أن دورة التيسير النقدي ستستمر دون انقطاع حتى 2027.

هذا التحول يمثّل مفارقة لافتة مع موقف الإدارة الأميركية، التي واصلت الدعوة إلى خفض الفائدة، إذ يرى بعض المسؤولين في الخزانة أن الضغوط التضخمية الأخيرة ليست سوى صدمة عرض مؤقتة ناجمة عن ارتفاع أسعار النفط والرسوم الجمركية، ومن المتوقع أن تتلاشى تدريجياً، غير أنَّ قلقاً متنامياً بين صُنّاع السياسة النقدية من أن هذه الضغوط قد تكون أكثر رسوخاً يُبقي احتمال الرفع، بدلاً من الخفض، مطروحاً بقوة في توقعات 2027.

بنك أوف أميركا يرفع توقعاته لبرنت للمرة الثانية خلال أسبوعين

في مؤشر إضافي على أن الضغوط التضخمية مرشحة للاستمرار، رفع بنك أوف أميركا توقعاته لأسعار خام برنت للمرة الثانية خلال أسبوعين، مستنداً إلى استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، الممر الحيوي الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

ورفع البنك توقعاته لمتوسط سعر برنت إلى 83 دولاراً للبرميل خلال النصف الثاني من العام الجاري، وإلى 75 دولاراً للبرميل عام 2027.

وحذّر من أن استمرار الاشتباكات المقيّدة لتدفق النفط حتى نهاية العام قد يدفع الأسعار إلى نطاق يتراوح بين 95 و120 دولاراً للبرميل، بينما قد تصل إلى 150 دولاراً في حال اندلاع صراع أوسع نطاقاً يُلحق أضراراً جسيمة بالبنية التحتية للطاقة في المنطقة.

تكشف الصورة الأوسع عن ترابط وثيق بين أسواق النفط والفائدة والذهب، وإن كانت المعطيات الأخيرة تُضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى هذا الترابط.

فبينما كان ارتفاع أسعار النفط بفعل توترات الشرق الأوسط يُغذي التضخم ويدفع الفيدرالي نحو موقف أكثر تشدداً، جاء التراجع الحاد الأخير في أسعار الخام، مدفوعاً بآمال دبلوماسية مع إيران واحتمال استئناف الصادرات السعودية عبر خط «شرق-غرب»، ليخفف من حدة هذه الضغوط، دون أن يبدد قلق صُنّاع السياسة النقدية من ترسخ التضخم على المدى الأبعد.

ويبقى الذهب، في ظل هذا المشهد المتغير، عالقاً بين قوتين متعاكستين: تشدد نقدي أميركي متصاعد يضغط عليه هبوطاً، بما يرفع كلفة الاحتفاظ بمعدن لا يدر عائداً، وطلب صيني قياسي تجاوز إجمالي عام كامل خلال ثمانية أشهر فقط، إلى جانب حالة عدم يقين جيوسياسي لم تُحسم بعد، وكلاهما يدعمه صعوداً.

والمحصلة حتى الآن ميل طفيف للتراجع، غير أن أي تطور جديد، سواء في المفاوضات الإيرانية-الأميركية أو في نبرة الفيدرالي خلال اجتماعاته المقبلة، قادر على قلب المعادلة سريعاً وإعادة رسم مسار الأسواق الثلاثة معاً في الأشهر المقبلة.

هذا التحليل لأغراض إعلامية فقط، وليس نصيحة مالية. ينطوي التداول على مخاطر، والأداء السابق لا يضمن النتائج المستقبلية. يمكن أن تتغير ظروف السوق، لذا قم دائماً بإجراء بحثك الخاص أو استشر مستشاراً مالياً قبل التداول. الكاتب غير مسؤول عن أي خسائر ناجمة عن استخدام هذا التحليل.