ذهب العالم بـ33 تريليون دولار.. من يستخرجه ومن يتحكم في تجارته؟


من مناجم إفريقيا إلى مصافي سويسرا ودبي، ومن أسواق الصين والهند إلى خزائن البنوك المركزية، يقطع الذهب رحلة اقتصادية معقدة تكشف أن الدول الأكثر إنتاجًا للمعدن النفيس ليست بالضرورة الأكثر سيطرة على تجارته.

تخيل أن كل الذهب الذي استخرجه البشر منذ بداية التاريخ جُمع في مكان واحد. ستكون أمام نحو 220.7 ألف طن من المعدن النفيس، بقيمة سوقية تقديرية تتراوح بين 31 و33 تريليون دولار.

هذه الثروة الهائلة لا توجد في خزينة واحدة؛ فجزء منها يتحول إلى مجوهرات، وجزء آخر تحتفظ به البنوك المركزية ضمن احتياطياتها، بينما يتنقل الباقي بين المستثمرين والصناديق المالية وأسواق السلع.

لكن المفارقة أن الدول التي تمتلك مناجم الذهب ليست بالضرورة تلك التي تتحكم في تجارته أو تستحوذ على الحصة الأكبر من القيمة التي يولدها.

فبين استخراج الذهب من باطن الأرض ووصوله إلى خزائن البنوك ومحافظ المستثمرين، تمتد شبكة عالمية من شركات التعدين والمصافي والمؤسسات المالية ومراكز التجارة وإعادة التصدير.

فمن ينتج ذهب العالم؟ وأين يُستهلك؟ ولماذا أصبحت دول لا تمتلك مناجم ضخمة من أهم اللاعبين في تجارته؟

إنتاج الذهب عالميًا.. الصين تتصدر والمخزون ينمو ببطء

بلغ إنتاج مناجم الذهب العالمية نحو 3,817 طنًا في عام 2025، ما يعني أن الكميات الجديدة التي تُضاف سنويًا إلى المخزون المستخرج عبر التاريخ لا تتجاوز نحو 1.8%.

وتصدرت الصين قائمة الدول المنتجة بنحو 384 طنًا، تلتها روسيا بإنتاج بلغ 345 طنًا، ثم أستراليا بنحو 293 طنًا.

وتفسر هذه الزيادة المحدودة في المعروض جانبًا من المكانة التاريخية التي يحتفظ بها الذهب بوصفه أصلًا نادرًا نسبيًا، ومخزنًا للقيمة، وأداة لتنويع الاستثمارات والاحتياطيات الرسمية.

وعلى خلاف العديد من السلع الأخرى، فإن معظم الذهب الذي استُخرج عبر التاريخ لا يزال موجودًا في صورة مجوهرات أو سبائك أو عملات أو احتياطيات رسمية، ما يجعل حجم المخزون القائم عاملًا أساسيًا في فهم السوق، إلى جانب الإنتاج السنوي الجديد.

الصين والهند وتركيا.. خريطة الاستهلاك تختلف عن الإنتاج

عند الانتقال من خريطة الإنتاج إلى خريطة الطلب، تتغير موازين سوق الذهب العالمية.

فالصين، التي تتصدر إنتاج المناجم، تعد أيضًا من أكبر أسواق استهلاك المعدن النفيس. ووفق الأرقام الواردة في البيانات محل التحليل، بلغ استهلاكها نحو 950 طنًا خلال 2025، في تحول لافت تجاوز فيه الطلب على السبائك والعملات الذهبية الطلب على المجوهرات للمرة الأولى.

ويعكس ذلك تزايد أهمية الذهب أداةً للادخار والاستثمار، إلى جانب استخداماته التقليدية.

أما الهند، فيحتفظ الذهب فيها بمكانة اقتصادية واجتماعية استثنائية، إذ يرتبط بالمناسبات والادخار وتكوين الثروات العائلية، ما يجعلها من الأسواق الرئيسية للمجوهرات والسبائك.

وفي تركيا، اكتسب الذهب أهمية إضافية بوصفه وسيلة لحماية المدخرات من تقلبات العملة والتضخم، ما يعزز الطلب عليه في فترات عدم اليقين الاقتصادي.

لكن الطلب على الذهب لا يأتي من الأفراد وحدهم؛ فالبنوك المركزية أصبحت أحد أبرز الأطراف المؤثرة في السوق.

البنوك المركزية تعزز احتياطياتها من الذهب

تحتفظ الولايات المتحدة بأكبر احتياطي رسمي من الذهب عالميًا، يتجاوز 8,133 طنًا، بينما تمتلك كل من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا والصين وروسيا احتياطيات تتجاوز ألفي طن.

وبالنسبة للبنوك المركزية، لا يمثل الذهب مجرد سلعة قابلة للتداول، بل أصلًا احتياطيًا يساعد على تنويع المحافظ وتقليل الاعتماد على العملات الأجنبية.

وتزداد أهمية هذه الخاصية خلال فترات التضخم والتوترات الجيوسياسية وتقلبات الأسواق المالية.

ووفق الأرقام الواردة في المادة، أضافت البنوك المركزية نحو 863 طنًا من الذهب خلال 2025، فيما بلغت مشترياتها نحو 289 طنًا في الربع الثاني من 2026.

وتشير هذه التحركات إلى استمرار الاهتمام الرسمي بالذهب ضمن استراتيجيات إدارة الاحتياطيات، رغم ارتفاع الأسعار وتغير ظروف الأسواق.

غير أن جزءًا كبيرًا من الذهب المتداول عالميًا يأتي من قارة لا تستضيف أكبر مراكز التكرير والتجارة الدولية: إفريقيا.

إفريقيا تنتج 28% من ذهب العالم.. لكن من يستحوذ على القيمة؟

أنتجت إفريقيا نحو 1,059 طنًا من الذهب خلال 2025، بما يعادل قرابة 28% من الإنتاج العالمي.

وتصدرت غانا الدول الإفريقية المنتجة بنحو 187 طنًا، تلتها مجموعة من الدول التي يشكل الذهب فيها موردًا اقتصاديًا مهمًا، من بينها بوركينا فاسو ومالي والسودان وغينيا وزيمبابوي.

ورغم ضخامة الإنتاج الإفريقي، فإن امتلاك المعدن في باطن الأرض لا يعني بالضرورة السيطرة على قيمته النهائية.

فبعد استخراج الذهب، تبدأ مراحل أخرى تشمل التكرير والتمويل والنقل والتأمين والتجارة وإعادة التصدير، وهي أنشطة قد تتم خارج الدول المنتجة.

وبالتالي، فإن حصة الدول الإفريقية من القيمة الاقتصادية للذهب لا تتحدد فقط بحجم الإنتاج، وإنما أيضًا بقدرتها على تطوير الصناعات والخدمات المرتبطة به.

من يملك مناجم الذهب الإفريقية؟

تلعب شركات التعدين الدولية دورًا رئيسيًا في قطاع الذهب الإفريقي، من خلال ملكية حصص في المناجم الكبرى أو إدارتها وتشغيلها.

ومن أبرز هذه الشركات باريك غولد، وأنغلوغولد أشانتي، وإنديفور ماينينغ.

ويقدم منجم كيبالي في جمهورية الكونغو الديمقراطية مثالًا على هيكل الملكية في بعض المشاريع الكبرى؛ إذ تتوزع حصصه بين باريك غولد بنسبة 45%، وأنغلوغولد أشانتي بنسبة 45%، بينما تمتلك شركة سوكيمو الحكومية الكونغولية الحصة المتبقية البالغة 10%.

وتعكس هذه الشراكات اعتماد عدد من الدول المنتجة على رؤوس الأموال والخبرات الدولية لتطوير المناجم الكبرى.

وفي المقابل، يشكل التعدين الأهلي والصغير النطاق جزءًا مهمًا من الإنتاج في عدد من دول إفريقيا، خصوصًا منطقة الساحل.

وهذا النشاط يوفر مصادر دخل لشرائح واسعة من السكان، لكنه يطرح تحديات تتعلق بالتنظيم والسلامة وتتبع الإنتاج والتدفقات التجارية، خاصة عندما تتم عمليات البيع خارج القنوات الرسمية.

سويسرا ودبي.. مراكز تجارة الذهب تتجاوز حدود المناجم

في الوقت الذي تتركز فيه المناجم الكبرى في دول منتجة، اكتسبت مراكز أخرى نفوذًا عالميًا من خلال التكرير والتجارة والخدمات المالية.

وتبرز سويسرا باعتبارها أحد أهم مراكز تكرير الذهب عالميًا، رغم أنها لا تمتلك إنتاجًا منجميًا ضخمًا.

وتشير البيانات الواردة في المادة إلى أن مصافيها تعالج نحو 1,600 طن من الذهب سنويًا، بما يعادل نحو 34% من إجمالي الذهب المكرر عالميًا وفق التقدير المستخدم.

أما الإمارات، ودبي تحديدًا، فقد عززت موقعها مركزًا إقليميًا ودوليًا لتجارة الذهب وإعادة تصديره.

وبحسب الأرقام الواردة في المادة، بلغت تجارة الذهب الإماراتية نحو 191 مليار دولار في 2024، قبل أن ترتفع إلى نحو 300 مليار دولار خلال 2025.

كما تشير البيانات إلى وجود أكثر من 5,067 شركة مرخصة تعمل في السوق الإماراتية، إلى جانب 57 مصفاة.

ويستند دور دبي إلى منظومة تجمع بين التجارة والخدمات اللوجستية والتكرير والتمويل والوصول إلى أسواق الاستهلاك الكبرى، وفي مقدمتها الهند.

وهكذا يمكن أن يبدأ الذهب رحلته من منجم إفريقي، ثم ينتقل إلى مركز للتكرير أو التجارة في سويسرا أو الإمارات، قبل أن يصل إلى مصنع للمجوهرات أو خزينة بنك مركزي أو محفظة مستثمر في دولة أخرى.

وتكشف هذه الرحلة أن القيمة الاقتصادية للذهب لا تتولد عند الاستخراج فقط، بل تتوزع على سلسلة طويلة من الأنشطة والخدمات.

السودان.. كيف تحول الذهب إلى مورد اقتصادي رئيسي بعد النفط؟

يقدم السودان نموذجًا واضحًا للتحولات التي يمكن أن يحدثها الذهب في اقتصاد دولة منتجة.

فحتى عام 2011، كان النفط يمثل أحد أهم مصادر الإيرادات والعملات الأجنبية في البلاد، وتجاوزت صادرات النفط الخام السودانية 7 مليارات دولار خلال ذلك العام، وفق البيانات الواردة في المادة.

لكن انفصال جنوب السودان في يوليو 2011 أدى إلى تغير جذري في هيكل الاقتصاد السوداني، بعد فقدان جزء كبير من الموارد النفطية.

وفي ظل هذه التحولات، ازدادت أهمية الذهب مصدرًا للعملات الأجنبية.

وارتفعت قيمة صادرات الذهب من نحو 1.4 مليار دولار في 2011 إلى ملياري دولار في 2012.

كما صعد الإنتاج من 29 طنًا في 2010 إلى ذروة بلغت نحو 88 طنًا في 2017، قبل أن يستقر عند نحو 75 طنًا خلال 2025، بحسب الأرقام الواردة في المادة.

وبهذا المستوى، جاء السودان في المرتبة الأولى عربيًا والخامسة إفريقيًا والسادسة عشرة عالميًا في إنتاج الذهب، وفق التصنيف المذكور.

لكن أهمية الذهب في الاقتصاد السوداني تقابلها تحديات كبيرة في تنظيم الإنتاج والتصدير.

44 ألف بئر ذهب.. تحديات الاقتصاد غير الرسمي في السودان

يشكل التعدين الأهلي جزءًا رئيسيًا من صناعة الذهب السودانية.

وبحسب بيانات منسوبة إلى منظمة SWISSAID، استحوذ التعدين الأهلي على نحو 91.5% من الإنتاج المعلن خلال 2024.

وتشير الأرقام إلى انتشار عمليات التعدين في أكثر من 44 ألف بئر موزعة على 244 موقعًا في 14 ولاية.

هذا الانتشار الواسع يجعل الرقابة على الإنتاج وتتبع حركة المعدن أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل الظروف الأمنية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

وتشير تقديرات منسوبة إلى فريق خبراء تابع للأمم المتحدة إلى أن أكثر من نصف الذهب المستخرج يغادر عبر قنوات غير رسمية، بينما تقدر SWISSAID نسبة الذهب الذي يخرج خارج القنوات الرسمية بما يتراوح بين 50% و70% سنويًا.

وتبرز هنا فجوة بين الإنتاج الفعلي المحتمل والكميات التي تظهر في السجلات الرسمية، وهو ما يصعب تحديد القيمة الكاملة لصادرات الذهب وحجم الإيرادات التي يمكن أن تستفيد منها الدولة.

كما يحد هذا التفاوت من القدرة على رسم صورة دقيقة لشبكات التجارة والوجهات النهائية للذهب السوداني.

صادرات الذهب السوداني.. هل تتغير خريطة الوجهات؟

لطالما احتلت الإمارات موقعًا رئيسيًا بين وجهات صادرات الذهب السوداني الرسمية، بما يتسق مع دورها مركزًا دوليًا للتجارة والتكرير وإعادة التصدير، وليس بالضرورة سوقًا للاستهلاك النهائي.

لكن البيانات الواردة في المادة تشير إلى تغيرات لافتة في هذه الخريطة خلال عامي 2025 و2026.

ففي 2025، بلغت قيمة الصادرات الرسمية من الذهب السوداني إلى الإمارات نحو 865 مليون دولار، مقابل نحو 517 مليون دولار إلى مصر، و77 مليون دولار إلى سلطنة عُمان.

أما في النصف الأول من 2026، فتشير الأرقام إلى تصدر مصر وجهات الصادرات الرسمية بأكثر من 900 مليون دولار خلال ستة أشهر فقط، متجاوزة بذلك قيمة الصادرات المسجلة إلى الإمارات طوال عام 2025.

وفي المقابل، لم تظهر الإمارات ضمن قائمة أبرز الوجهات الواردة في البيانات الخاصة بتلك الفترة.

وتشير هذه الأرقام، إذا تأكدت على أساس إحصائي موحد، إلى تحول مهم في وجهات التجارة الرسمية للذهب السوداني.

لكنها لا تكفي وحدها لتحديد الأسواق النهائية التي يصل إليها المعدن، أو تفسير أسباب تغير المسارات التجارية.

فالتجارة غير الرسمية وإعادة التصدير والاختلاف بين بيانات الجمارك والبلدان المستوردة تجعل تتبع الذهب أكثر تعقيدًا من مجرد قراءة قائمة وجهات الصادرات.

ولهذا، فإن تراجع صادرات الذهب المسجلة إلى وجهة معينة لا يعني بالضرورة تراجع دورها في التجارة الإقليمية أو العالمية للمعدن بالنسبة نفسها.

من يملك ذهب العالم.. المنتج أم التاجر؟

توضح خريطة الذهب العالمية أن امتلاك الموارد الطبيعية لا يساوي بالضرورة السيطرة على سلسلة القيمة.

فإفريقيا تنتج أكثر من ربع ذهب العالم، لكن مراكز التكرير والتجارة والتمويل الكبرى توجد في مناطق أخرى.

وتحتفظ الصين بموقع متقدم في الإنتاج والاستهلاك، بينما تلعب الهند دورًا رئيسيًا في الطلب على المجوهرات والذهب الاستثماري، وتواصل البنوك المركزية تعزيز حضورها في السوق.

أما السودان، فيقدم مثالًا على اقتصاد أصبح الذهب فيه موردًا حيويًا للعملات الأجنبية، لكنه يواجه تحديات كبيرة في تنظيم الإنتاج وتوثيق الصادرات.

وفي النهاية، لا تبدأ القيمة الاقتصادية للذهب وتنتهي عند المنجم.

فمن لحظة استخراجه إلى وصوله إلى مصفاة أو مصنع مجوهرات أو خزينة بنك مركزي، يمر المعدن النفيس عبر شبكة معقدة من الشركات والأسواق والحدود.

ولهذا، فإن السؤال الأهم ليس فقط: من يمتلك الذهب تحت الأرض؟ بل من يتحكم في رحلته بعد استخراجه، ومن يحصل على الحصة الأكبر من قيمته؟

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة