تجد شركات الطيران الأوروبية نفسها أمام معادلة صعبة مع استمرار صدمة أسعار وقود الطائرات التي أشعلتها الحرب في الشرق الأوسط: هل تثبت أسعار وقود 2027 عند مستويات مرتفعة، أم تترك جزءاً أكبر من احتياجاتها مكشوفاً على سوق شديدة التقلب؟ وبحسب تحليل لوكالة رويترز، تبدو رايان إير الأيرلندية الشركة الأقدر بين كبار الناقلين الأوروبيين على خوض هذا الرهان. يعتمد التحوّط في
قطاع الطيران على تثبيت جزء من تكلفة الوقود مسبقاً عبر عقود مشتقات، بما يخفف أثر القفزات المفاجئة في الأسعار على الأرباح والتدفقات النقدية، وعلى عكس شركات الطيران الأميركية التي تميل غالباً إلى تمرير ارتفاع التكاليف إلى المسافرين عبر زيادة أسعار التذاكر، يُعد التحوّط أداة أكثر شيوعاً في أوروبا، حيث دخلت شركات كبرى مثل رايان إير وإيزي جيت وويز إير وإير فرانس-كيه إل إم ولوفتهانزا ومجموعة (IAG) المالكة للخطوط الجوية البريطانية الأزمة وهي تمتلك تغطية كبيرة لاحتياجاتها من الوقود.
وقد ساعدت تلك التغطية شركات الطيران الأوروبية على تجنب اضطرابات تشغيلية واسعة خلال موسم الصيف، رغم القفزة الحادة في أسعار وقود الطائرات، فعلى سبيل المثال قالت إيزي جيت إن 72% من احتياجاتها من الوقود للأشهر الستة المنتهية في سبتمبر/أيلول جرى التحوّط لها عند 726 دولاراً للطن المتري، في وقت كانت فيه الأسعار الفورية أعلى بكثير.
لكن السؤال الأكثر إلحاحاً لم يعد متعلقاً بصيف 2026، بل بصيف 2027. فالتثبيت المبكر للأسعار يعني قبول مستويات مرتفعة حالياً، بينما الانتظار قد يتيح فرصة أفضل إذا هبطت الأسعار، لكنه يترك شركات الطيران معرضة لمزيد من الخسائر إذا طال أمد الصراع أو بقيت الإمدادات مضطربة.
تبدو رايان إير أكثر جرأة من منافسيها؛ فقد أبلغ الرئيس التنفيذي مايكل أوليري المحللين بأنه مستعد للانتظار حتى سبتمبر أيلول أو أكتوبر تشرين الأول قبل تنفيذ تحوطات إضافية لفصل الصيف المقبل، في المقابل، تواصل مجموعة (IAG) تطبيق سياستها المعتادة للتحوّط، بينما تمتلك إير فرانس-كيه إل إم ولوفتهانزا وإيزي جيت وويز إير بالفعل عقود تحوّط تمتد إلى ما بعد سنواتها المالية الحالية، بعضها أُبرم قبل تفاقم الأزمة.
ولا يعكس موقف رايان إير نقصاً في السيولة في سوق مشتقات وقود الطائرات، وفق تقديرات محللي سيتي، بل يعكس قدرة مالية نادرة داخل قطاع معروف بهوامشه المحدودة، فالشركة الأيرلندية خرجت عملياً من عبء الديون بعد سداد آخر سنداتها المستحقة، كما حافظت على هامش ربح تشغيلي متوسط يتجاوز 15% خلال العقد الماضي، باستثناء سنوات الجائحة، وهي نسبة مرتفعة في صناعة غالباً ما تتحرك هوامشها في خانة الآحاد.
وتمنح هذه القوة رايان إير مساحة أوسع للمخاطرة، فإذا تراجعت أسعار الوقود خلال الأشهر المقبلة، ستتمكن الشركة من تثبيت احتياجاتها المستقبلية عند مستويات أفضل من منافسيها، وإذا ارتفعت الأسعار، فإن ميزانيتها القوية وتكاليفها المنخفضة تمنحانها قدرة أكبر على امتصاص الصدمة مقارنة بشركات منخفضة التكلفة أضعف مالياً مثل إيزي جيت وويز إير.
أما شركات الطيران الشبكية مثل (IAG)، فرغم تمتعها بهوامش تشغيلية قوية بلغت نحو 15% العام الماضي، فإن منطقها التجاري مختلف، فهي تمتلك قاعدة أكبر من المسافرين المميزين وعملاء الشركات، ما يمنحها قدرة أفضل على تمرير التكاليف المرتفعة عبر أسعار التذاكر، ويجعل الرهان المباشر على اتجاه أسعار الوقود أقل جاذبية.
4 مليارات يورو أرباح تشغيلية
وتشير توقعات جمعتها (Visible Alpha) إلى أن رايان إير قد تحقق أكثر من 4 مليارات يورو من الأرباح التشغيلية التراكمية خلال سنتيها الماليتين الحالية والمقبلة، مقابل نحو 700 مليون يورو لإيزي جيت و100 مليون يورو فقط لويز إير، وهذا الفارق يمنح الناقلة الأيرلندية أفضلية إضافية: حتى إذا تجرعت تكلفة وقود أعلى على المدى القصير، فقد تستفيد من ضعف منافسيها لانتزاع حصة سوقية أكبر.
وتأتي هذه الحسابات في وقت خفّض فيه الاتحاد الدولي للنقل الجوي توقعاته لأرباح شركات الطيران العالمية في 2026 إلى 23 مليار دولار، أي نحو نصف توقعاته السابقة، بسبب ارتفاع تكاليف الوقود واضطرابات الشرق الأوسط؛ وهذا يعني أن استراتيجية التحوّط لم تعد مجرد أداة مالية لإدارة المخاطر، بل أصبحت عاملاً فاصلاً في تحديد من يستطيع الصمود والتوسع داخل سوق طيران أوروبية أكثر اضطراباً.