باكستان: اقتصاد يستقر على الورق ويهتز في الشارع

باكستان: اقتصاد يستقر على الورق ويهتز في الشارع (أ ف ب)
باكستان: اقتصاد يستقر على الورق ويهتز في الشارع
باكستان: اقتصاد يستقر على الورق ويهتز في الشارع (أ ف ب)

في الوقت الذي سجلت فيه المؤشرات الاقتصادية الكلية في باكستان تحسناً ملحوظاً مقارنة بالسنوات الماضية، تصاعدت الاضطرابات السياسية والأمنية في إقليم خيبر بختونخوا، لتكشف فجوة بين الأرقام الرسمية والأوضاع المعيشية.

فقد فرضت الحكومة الاتحادية الطوارئ وحكم المحافظ في الإقليم يوم الأحد، بعد موافقة الرئيس على توصية مجلس الوزراء استناداً إلى المادتين 232 و234 من الدستور.

وبعد ساعات، قال وزير الإعلام في الإقليم إن رئيس حكومته سهيل أفريدي، الذي كان يرافق المسيرة، اعتُقل. وفي الوقت نفسه، توصلت باكستان وصندوق النقد الدولي إلى اتفاق على مستوى الخبراء يتيح تمويلاً بنحو 1.2 مليار دولار، رهناً بموافقة المجلس التنفيذي للصندوق.

شرارة المسيرات وتصاعد المواجهة السياسية

تفاقم التوتر بعد انهيار المحادثات الثنائية في 3 أكتوبر/تشرين الأول، إذ اتهمت إسلام آباد حكومة الإقليم بالتقصير في مواجهة التهديدات المسلحة، بينما قال حزب «حركة الإنصاف» إنه مستبعد من صياغة السياسات الأمنية. وبدأ الحزب مسيرته نحو العاصمة في 4 أكتوبر/تشرين الأول للمطالبة بالإفراج عن عمران خان، وفقاً لوكالة أنباء آسيا.

وفي كلمة ألقاها خلال حفل وضع حجر الأساس لنفق كشمير تشوك في إسلام آباد، قال رئيس الوزراء شهباز شريف إن الحكومة لن تسمح بالإضرار بالاقتصاد من خلال الاحتجاجات، داعياً الحزب إلى إنهاء المسيرة والجلوس إلى طاولة الحوار.

كلفة الاحتجاجات محل جدل

قدّر وزير المالية محمد أورنكزيب الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الاحتجاجات بنحو 120 مليار روبية يومياً، موزعة بين 86 مليار روبية في قطاع الخدمات، و25 ملياراً في الصناعة، و9 مليارات في الزراعة، إضافة إلى خسائر محتملة تبلغ 17 مليار روبية في الإيرادات الحكومية.

لكن هذه التقديرات أثارت تساؤلات بشأن منهجية الحساب. وذكر موقع «برو باكستاني» أن تقدير الوزارة كان ينبغي أن يشمل أيضاً تكلفة الإجراءات المتخذة لاحتواء الاحتجاجات، مثل إغلاق الطرق باستخدام الحاويات. ويظل الرقم تقديراً حكومياً لم يخضع، وفقاً للمعلومات الواردة، لتحقق مستقل.

مؤشرات اقتصادية تمنح الحكومة هامشاً من التفاؤل

بحسب المسح الاقتصادي لباكستان لعام 2025-2026، بلغ النمو الاقتصادي 3.7% في السنة المالية 2026، وهو أعلى مستوى في أربع سنوات، لكنه ظل دون المستهدف البالغ 4.2%. كما وصلت تحويلات المغتربين إلى 41.585 مليار دولار، بزيادة 8.6%، وارتفعت الصادرات 10.84% خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة المالية الجديدة. وأظهرت بيانات البنك المركزي أن الاحتياطيات السائلة بلغت نحو 26.8 مليار دولار في 2 أكتوبر/تشرين الأول.

وعلى صعيد التصنيف الائتماني، رفعت «ستاندرد آند بورز» تصنيف باكستان إلى B في يوليو/تموز، وهو أعلى مستوى منذ نحو ثماني سنوات، فيما رفعت «موديز» التصنيف إلى B3 مع نظرة مستقبلية مستقرة. وقالت رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي إيفا بيتروفا إن السلطات الباكستانية تمكنت بنجاح من تجاوز آثار الصراع في الشرق الأوسط.

التضخم والفقر يحدّان من أثر التحسن

رغم تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية، لا تزال الضغوط المعيشية تمثل تحدياً رئيسياً. فقد بلغ التضخم السنوي 10.26% في سبتمبر/أيلول، مقابل 5.8% قبل عام، فيما ارتفع تضخم أسعار الجملة إلى 13.3%. وبحسب البنك الدولي، زادت أسعار البنزين بنسبة 40% أو أكثر في باكستان ودول أخرى بالمنطقة.

وتكشف مؤشرات الفقر وسوق العمل جانباً آخر من الصورة؛ إذ ارتفع معدل الفقر إلى 28.9%، مقارنة بـ21.9%، فيما بلغ عدد العاطلين 5.9 مليون شخص، بمعدل بطالة قدره 7.1%، وفقاً للمسح الاقتصادي الرسمي.

وأفاد البنك الدولي بأن 48% من فقراء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذين يعيشون على أقل من 3 دولارات يومياً يوجدون في باكستان. كما تواجه برامج صندوق النقد انتقادات من جهات ترى أن تحسين المؤشرات المالية والنقدية جاء على حساب النمو والتوظيف.

استقرار هش ومخاطر مالية مستمرة

على الرغم من رفع التصنيفات الائتمانية، لا تزال المؤسسات المالية تحذر من مواطن ضعف هيكلية. فقد أشارت «ستاندرد آند بورز» إلى أن عبء خدمة الدين في باكستان من بين الأعلى لدى الدول التي تصنفها، بينما لفتت «موديز» إلى تحديات تتعلق بسيادة القانون ومكافحة الفساد.

ويرى تحليل نشرته صحيفة «فرايداي تايمز» أن الاعتماد المستمر على تحويلات المغتربين والاقتراض لا يمثل أساساً مستداماً للنمو الاقتصادي. ويضاف إلى ذلك ضغط صندوق النقد، الذي حث السلطات الباكستانية على توجيه دعم الوقود إلى الفئات المستحقة وإنهاء برامج الدعم المكلفة.

معارضة لم تحوّل الغضب الاقتصادي إلى برنامج بديل

في المقابل، لم تنجح المعارضة، وفقاً لتحليل «فرايداي تايمز»، في جعل المعاناة الاقتصادية محوراً رئيسياً لهويتها السياسية. وبدلاً من تقديم برنامج اقتصادي بديل يركز على التضخم والتوظيف والفقر، لا يزال جانب كبير من المواجهة السياسية يدور حول مصير عمران خان.

وتعكس هذه الفجوة تحدياً أوسع أمام باكستان: فاستقرار المؤشرات المالية وتحسن التصنيف الائتماني لا يكفيان وحدهما لتهدئة الشارع ما لم ينعكس أثرهما على مستويات المعيشة وفرص العمل وقدرة الأسر على تحمل تكاليف الحياة.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة