قد تخلق طفرة بناء مراكز البيانات لدى شركات التكنولوجيا الكبرى مصدراً ضخماً جديداً لانبعاثات الكربون، مع تسبب الطلب المتزايد على الكهرباء في إطلاق موجة من محطات توليد الطاقة التي تعمل بالوقود الأحفوري، رغم التزامات الشركات المناخية. وجد تحليل أجرته صحيفة «فاينانشال تايمز» لـ60 من أكبر مراكز البيانات المخطط لإنشائها في الولايات المتحدة من جانب «أمازون» و«مايكروسوفت» و«غوغل» و«ميتا»، أنها قد تنتج معاً 101.5 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون سنوياً عند تشغيلها بالكامل، استناداً إلى أحدث صورة متاحة لتوليد الكهرباء في الولايات المتحدة.
ويعادل ذلك نحو 7% من انبعاثات قطاع الكهرباء الأميركي في 2025، أو الانبعاثات السنوية لـ27 محطة تعمل بالفحم، أو 24 مليون سيارة تعمل بالبنزين.
تقدير «معقول» لحجم الانبعاثات
قال جوناثان كومي، الباحث في مجال الطاقة الذي درس كفاءة استخدام الطاقة وحلول المناخ: «هذا تقدير معقول لحجم الانبعاثات».
وأضاف: «إنها نسبة صغيرة نسبياً من الإجمالي، لكنها لا تزال زيادة كبيرة مقارنة بما كانت شركات مراكز البيانات تقول إنها ستفعله قبل 5 سنوات، لأنها جميعاً كانت تضع خططاً لخفض الانبعاثات».
كما تدفع طفرة مراكز البيانات إلى إنشاء محطات جديدة لتوليد الكهرباء بالوقود الأحفوري. ووفقاً لتحليل «فاينانشال تايمز»، استناداً إلى إفصاحات شركات المرافق وبيانات «إس آند بي» وتحليلات شركة «دي سي بايت»، فإن 3 أرباع شركات المرافق التي تخدم المشروعات الـ60 تخطط لإنشاء أو تبني قدرات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز.
كما تؤجل ثلث شركات المرافق التي تشغّل محطات تعمل بالفحم عمليات إغلاق هذه المحطات.
طفرة الذكاء الاصطناعي تهدد مكاسب خفض الانبعاثات
تسلط تقديرات «فاينانشال تايمز» الضوء على أن
طفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تهدد بتقويض سنوات من التقدم في خفض الانبعاثات الناتجة عن توليد الكهرباء في الولايات المتحدة، حتى في الوقت الذي تتعهد فيه شركات التكنولوجيا الكبرى بضخ مليارات الدولارات في الطاقة النظيفة.
أضافت شبكة الكهرباء الأميركية المزيد من الطاقة النظيفة منذ 2023، لكن في الوقت الذي تبني فيه العديد من شركات المرافق التي تخدم مراكز البيانات هذه مزيداً من مشروعات الطاقة النظيفة، فإنها تعزز أيضاً اعتمادها على الوقود الأحفوري بسبب مواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء.
قال آرون بيرغمان، الباحث في مؤسسة «ريسورسز فور ذا فيوتشر»: «في كل مرة تزيد فيها الطلب على شبكة الكهرباء، من المرجح جداً أن ترى زيادة في الانبعاثات».
الغاز يُبنى لتلبية طلب مراكز بيانات محددة
وأبلغ 17% من مشغلي شركات المرافق التي تخدم مراكز البيانات الـ60 الجهات التنظيمية بشكل صريح بأن محطات غاز جديدة يجري بناؤها لتلبية الطلب على الكهرباء من مركز بيانات فائق الضخامة محدد.
قال تايلور ماكنير، نائب مدير شركة «غريد لاب» للاستشارات في مجال الطاقة النظيفة: «عندما يقفز الطلب، تتجه شركات المرافق إلى زرها السهل، والذي كان دائماً إضافة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز».
وأضاف: «على مدى عامين، كان هناك كثير من التقدم في نشر مشروعات الطاقة المتجددة الجديدة».
وتابع: «ظاهرة نمو الأحمال الجديدة التي نشهدها حالياً أضافت بالتأكيد عائقاً إلى هذا المسار».
أميركا تضاعف رهاناتها على الغاز
كادت الولايات المتحدة أن تضاعف 3 مرات قدرتها على توليد الكهرباء بالغاز قيد التطوير خلال 2025، وهو ما قد يزيد أسطولها الحالي من
محطات الغاز بنحو 50% إذا جرى بناء جميع المحطات، وفقاً لـ«غلوبال إنرجي مونيتور».
ويُخصص أكثر من ثلث هذه القدرات لتوفير الكهرباء لمراكز البيانات في مواقعها.
يأتي ارتفاع قدرات الغاز في وقت فككت فيه إدارة ترامب القواعد المناخية وخفضت الحوافز الضريبية للطاقة النظيفة، بهدف تعزيز صناعة الوقود الأحفوري.
وفي الوقت نفسه، بدأت شركات المرافق ومشغلو شبكات الكهرباء إعطاء الأولوية للوقود الأحفوري بسبب حاجتهم إلى إمدادات كهرباء موثوقة على مدار الساعة.
التزامات المناخ لم تمنع ارتفاع انبعاثات التكنولوجيا
رغم التزامات شركات التكنولوجيا الكبرى بشأن المناخ، أقرت بعض الشركات في أحدث تقارير الاستدامة الخاصة بها بأن انبعاثاتها ارتفعت بسبب التوسع في بناء مراكز البيانات.
قال أحدث تقرير للاستدامة لدى «أمازون» إن انبعاثاتها ارتفعت 16% بين 2024 و2025، مدفوعة ببناء مراكز البيانات والوقود المستخدم في عمليات التوصيل.
وأضافت الشركة أن الانبعاثات المرتبطة بشراء الكهرباء ارتفعت 34%.
قالت «مايكروسوفت» إن إجمالي انبعاثاتها ارتفع 25% خلال الفترة نفسها، مدفوعاً بشكل رئيسي بالتوسع في البنية التحتية لمراكز البيانات التابعة لها.
«ألفابت» تسجل زيادة 18%
كما أعلنت «
ألفابت» أن انبعاثاتها «المبنية على الطموح» ــوهو المقياس المعدل الذي تستخدمه الشركةــ ارتفعت 18%، مدفوعة بزيادة أنشطة سلسلة التوريد التي دعمت «التوسع السريع» لأعمالها.
وقالت «ألفابت» في التقرير: «ندرك أن تأثيرنا المناخي نما بالتوازي مع النمو غير المسبوق للذكاء الاصطناعي، ونعمل بنشاط على تقليل هذا التأثير».
وأضافت الشركة أنه لولا جهودها الأخرى لإزالة الكربون، لكان حجم بصمتها الكربونية في 2025 أكبر 5 مرات.
شركات التكنولوجيا تتعهد بموازنة استهلاك الكهرباء
وضعت شركات التكنولوجيا الأربع خططاً لمطابقة استهلاكها من الكهرباء مع استثمارات في الطاقة النظيفة، غالباً من خلال استخدام أرصدة الطاقة المتجددة.
وقالت «أمازون» لـ«فاينانشال تايمز» إنها استثمرت مليارات الدولارات في الكهرباء الخالية من الكربون، وإنها عوّضت 100% من الكهرباء المستهلكة في عملياتها بالطاقة المتجددة في أماكن أخرى.
وقالت «مايكروسوفت» إنها واصلت الاستثمار بكثافة في الكهرباء الخالية من الكربون وغيرها من تقنيات إزالة الكربون.
وقالت «غوغل» إنها واحدة من أكبر الشركات المشترية للطاقة النظيفة في العالم، وإنها عوّضت كامل استهلاكها العالمي من الكهرباء بمشتريات الطاقة المتجددة لمدة 9 سنوات متتالية.
تكلفة خفض الكربون قد تصطدم بالربحية
قال مايكل غرينستون، مدير معهد سياسة الطاقة في جامعة شيكاغو: «المشكلة في التخفيضات الطوعية هي أنها مكلفة وتقلل الأرباح».
وأضاف: «في نهاية المطاف، ستجبر أسواق رأس المال الشركات على تقليص بعض جهودها للحد من انبعاثات الكربون».
قدرت شركة الأبحاث «روديوم غروب» في تقرير صدر في أبريل أن اختناقات سلاسل التوريد، وتكدس قوائم انتظار الربط بالشبكة، والتحديات التي تواجه طلبات الحصول على التصاريح، قد تعرقل إضافة الطاقة النظيفة إلى الشبكة.
وقد يدفع ذلك شركات المرافق إلى تشغيل محطات الغاز والفحم الحالية بكثافة أكبر، ما يؤدي إلى تفاقم الانبعاثات حتى قبل دخول المحطات الجديدة الخدمة.
وقال جون لارسن، الشريك في «روديوم غروب»: «يجب أن تواكب إضافات الطاقة النظيفة الطلب على الكهرباء من مراكز البيانات للحفاظ على مسار انخفاض الانبعاثات، لكن ذلك ليس أمراً مضموناً».
مراكز البيانات تقود نمو الطلب على الكهرباء
تُعد مراكز البيانات المحرك الأكبر لنمو الطلب على الطاقة، وفقاً لتقرير «غريد ستراتيجيز»، إذ تمثل نحو 55% من توقعات أحمال شركات المرافق خلال السنوات الـ5 المقبلة.
وتستجيب العديد من شركات المرافق لذلك من خلال التخطيط لإضافة قدرات جديدة لتوليد الكهرباء بالغاز بالتوازي مع مشروعات الطاقة المتجددة، فيما تؤجل بعض الشركات إغلاق محطات الفحم.
مؤخرًا، طلبت «جورجيا باور»، التي تزود مراكز بيانات تابعة لـ«أمازون» و«مايكروسوفت» بالكهرباء، من الجهات التنظيمية في الولاية السماح لها بإنتاج 9,885 ميغاواط من قدرات التوليد الجديدة، وقالت إن معظمها سيخدم عملاء كبارًا جددًا مثل مراكز البيانات.
الغاز يتوسع رغم خطط الطاقة المتجددة
رغم أن شركة المرافق تخطط لبناء مشروعات للطاقة المتجددة لتلبية غالبية هذا الطلب، فإن لديها 5,234 ميغاواط من قدرات الغاز الجديدة المخطط لها وتحت الإنشاء في الولاية، وفقاً لبيانات «إس آند بي».
كما أجلت الشركة إغلاق محطات الفحم التابعة لها، وقالت في إفصاحات تنظيمية إنها تحتاج إلى تشغيلها حتى 2035، أو بعد ذلك.
وقالت شركة المرافق رداً على النتائج: «نحن فخورون بمزيج الطاقة المتنوع لدينا، والذي يشمل مجموعة متنوعة من مصادر التوليد لخدمة العملاء».
«إنتري لويزيانا» تبني 10 محطات غاز لـ«ميتا»
تبني «إنتري لويزيانا» ما يقرب من 10,000 ميغاواط من قدرات الغاز الجديدة، تشمل 10 محطات غاز لمركز بيانات جديد تابع لـ«ميتا» في منطقة ريتشلاند باريش.
وقالت الشركة: «تستخدم إنتري لويزيانا توليداً حديثاً وعالي الكفاءة من الغاز، إلى جانب ترقيات جديدة لشبكة النقل، لخدمة مركز البيانات واسع النطاق التابع لميتا بشكل موثوق، وهي قدرة لا تستطيع مصادر الطاقة المتجددة وحدها توفيرها بعد بهذا الحجم».
وأضافت أن الجهات التنظيمية في الولاية وافقت مؤخراً على ما يصل إلى 1,500 ميغاواط من الطاقة الشمسية، كما اقترحت شركة المرافق إضافة 2,500 ميغاواط أخرى من الطاقة الشمسية لتلبية الطلب.
مراكز «ميتا» تعمل مؤقتاً بمحطات غاز خارج الشبكة
سيجري تشغيل مشروعي مراكز البيانات التابعين لـ«
ميتا» في إل باسو وريتشـلاند باريش مؤقتاً بواسطة محطات غاز غير متصلة بشبكة الكهرباء.
لكن شركات المرافق تهدف إلى ربط كل من أصول الغاز الجديدة ومراكز البيانات بالشبكة في المستقبل.
بدأ بعض مشغلي مراكز البيانات، الذين يواجهون سباقاً لإضافة مصادر الكهرباء، في تأمين موارد الطاقة الخاصة بهم «خلف العداد»، أي أنها غير متصلة بشبكة الكهرباء.
وتعتمد معظم مصادر الطاقة هذه بشكل كبير على الغاز الطبيعي، وفقاً لبيانات شركة «ريستاد إنرجي».
أفادت إدارة معلومات الطاقة الأميركية مؤخراً بأن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون ارتفعت 2% العام الماضي، مدفوعة إلى حد كبير بزيادة الطلب على الكهرباء في قطاع الطاقة، والذي أسهمت فيه مراكز البيانات جزئياً.