من فقاعة تقييمات إلى أزمة ديون.. الذكاء الاصطناعي يختبر سوق الائتمان

تحذيرات من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الائتمان (شترستوك)
تحذيرات من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الائتمان
تحذيرات من تأثير الذكاء الاصطناعي على سوق الائتمان (شترستوك)

انتقلت مخاطر طفرة الذكاء الاصطناعي من أسعار أسهم تبدو منفصلة عن الأرباح، إلى الميزانيات العمومية وأسواق السندات والائتمان الخاص، حيث بدأت مئات المليارات من الدولارات اللازمة لبناء مراكز البيانات وشراء الرقائق وتأمين الكهرباء تنتقل تدريجياً من التمويل بالتدفقات النقدية إلى الدين.

قال بنك التسويات الدولية، الاثنين، إن الزخم الذي دفع أسواق الأسهم بفضل الذكاء الاصطناعي بدأ يظهر علامات متزايدة على الهشاشة، مع ارتفاع الرافعة المالية وتنامي التمويل المعقد وخارج الميزانية.

وجاء التحذير في يوم هبط فيه مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات 6%، وتراجعت إنفيديا بنسبة 3.5% وميكرون (Micron) بنسبة 6.7%، بينما فقدت سوفت بنك ما يصل إلى 13.2%، بعد دعوات من قادة في القطاع إلى إبطاء تطوير النماذج لأسباب تتعلق بالسلامة.

ورصدت بيزنس إنسايدر موجة البيع نفسها باعتبارها اختباراً جديداً لتقييمات الذكاء الاصطناعي المرتفعة.

مخاوف من تخطي الإنفاق للإيرادات

يرى خبراء أسواق المال أن المشكلة ليست أن عمالقة التكنولوجيا مايكروسوفت وألفابت وأمازون وميتا يفتقرون إلى السيولة، بل لا تزال الشركات تمتلك أعمالاً تولد تدفقات نقدية ضخمة، لكن سرعة الإنفاق باتت أعلى من سرعة نمو تلك التدفقات.

ووفق تحليل لرويترز استناداً إلى تقديرات مجموعة بورصات لندن، ارتفعت تقديرات الإنفاق الرأسمالي المجمع لخمس شركات هي مايكروسوفت، ألفابت، أمازون، ميتا، وأوراكل، إلى نحو 730 مليار دولار في 2026، من 485 ملياراً في يناير كانون الثاني. وبحلول 2027، قد يتجاوز إنفاقها الرأسمالي تدفقها النقدي الحر المجمع.

ويشير الخبراء إلى أن الشركة الأكثر انكشافاً حالياً هي أوراكل، حيث بلغ إنفاقها الرأسمالي 55.7 مليار دولار في سنتها المالية 2026، مقابل 32 مليار دولار فقط من التدفق النقدي التشغيلي، أي 174%، أما الفارق الأوسع، فتقول رويترز إن كل دولار إضافي متوقع في التدفق التشغيلي بين 2025 و2027 يقابله 1.57 دولار من الإنفاق الجديد، وهذه الفجوة هي ما يدفع طفرة الذكاء الاصطناعي نحو سوق الدين.

يقول بنك التسويات الدولية إن أكبر خمسة «هايبرسكيلرز» مرشحون لإنفاق أكثر من تريليون دولار على استثمارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي خلال 2025 و2026.

وارتفع الاقتراض المجمع لشركات التكنولوجيا من 22 مليار دولار في 2010 إلى أكثر من تريليون دولار في 2025، بما يعادل 44% من الائتمان الخاص، فيما يقترب إجمالي القروض القائمة بمختلف أنواعها من 2.5 تريليون دولار.

مراكز البيانات.. الدين يخرج من الميزانية

يوضح خبراء أسواق المال أن التمويل لا يأتي من سندات الشركات وحدها، فهياكل التمويل الجديدة توزع المخاطر بين صناديق الائتمان الخاص، ومديري البنية التحتية، وشركات التأمين والبنوك.

وفي نموذج متزايد الانتشار، يُنشأ كيان خاص يملك مركز البيانات ويقترض لتمويله، بينما يوقع عملاق التكنولوجيا عقد إيجار أو شراء طاقة حاسوبية طويل الأجل، فتظل معظم الديون خارج ميزانيته.

هذا ما يصفه بنك التسويات الدولية بـ«الاقتراض الظلي»؛ والمثال الأوضح جاء في يوليو تموز، حين دخلت ميتا وبلاك روك في مشروع مركز بيانات بقيمة 14 مليار دولار في تكساس، يتضمن 12.5 مليار دولار من تمويل الدين.

وفي الوقت نفسه، قالت فايننشال تايمز إن (Vantage Data Centers)، التي اقترضت نحو 48 مليار دولار منذ 2025، تسعى إلى ملياري دولار إضافيين من مؤسسات مثل (Pimco) و(PGIM) مع اقتراب البنوك التقليدية من حدود انكشافها.

وتقدر رويترز بريكينغ فيوز أن نحو 500 مليار دولار من ديون مراكز البيانات أُصدرت بالفعل خلال 2026، أما شركات التكنولوجيا الكبرى نفسها فأصدرت نحو 220 مليار دولار من السندات خلال عام واحد، وهي موجة بدأت تربك تسعير الائتمان حتى داخل سوق السندات الاستثمارية الأميركية.

عندما يصبح عائد الخزانة خصماً على الذكاء الاصطناعي

يتضاعف الخطر؛ لأن طفرة الاقتراض تتزامن مع عوائد أميركية مرتفعة.

ويقترب عائد سندات الخزانة لأجل عشر سنوات من 5%، مع عودة التضخم وصعود النفط وتوقعات تشديد الاحتياطي الفدرالي، وهذا يرفع «السعر الخالي من المخاطر» الذي تُبنى عليه تكلفة كل سند أو قرض خاص جديد.

إذا ظلت العوائد مرتفعة، لن تكون المشكلة فقط أن تقييمات الأسهم تنخفض عند خصم الأرباح المستقبلية بمعدل أعلى؛ بل إن مراكز البيانات الجديدة ستحتاج إلى عائد تشغيلي أكبر كي تغطي خدمة الدين.

ويحذر بنك التسويات الدولية بالفعل من أن فروق مبادلات مخاطر الائتمان لبعض شركات الذكاء الاصطناعي بدأت تتسع، وأن إعادة تسعير الأسهم قد تنتقل إلى الائتمان وتشد شروط التمويل على نطاق أوسع.

شبح الاتصالات يعود.. لكن بصورة مختلفة

تشبه اللحظة الحالية طفرة الاتصالات في نهاية التسعينيات: تكنولوجيا حقيقية، طلب مستقبلي مقنع، وسباق لبناء القدرة قبل المنافسين.

وقدرت دراسة أكاديمية عن طفرة الاستثمار التكنولوجي أن شركات الاتصالات جمعت نحو 1.25 تريليون دولار من الديون بين 1996 و2000، ثم أدى فائض الألياف الضوئية إلى انهيار أسعار السعات بأكثر من 90%، وأصبحت شركات الاتصالات تمثل 60% من إفلاسات الشركات الأميركية بالقيمة الصافية خلال 2000-2003، لكن الفارق أن عمالقة الذكاء الاصطناعي اليوم يبدؤون من ميزانيات أقوى وتدفقات نقدية أكبر.

في المقابل، أصولهم أكثر عرضة للتقادم السريع: وحدات (GPU) ومراكز البيانات المصممة لأجيال محددة قد تفقد قيمتها أسرع من الألياف الضوئية، فيما تضيف عقود الإيجار والطاقة والتمويل الدائري طبقات من الالتزامات لا تظهر كلها كديون تقليدية.

من يدفع ثمن التباطؤ؟

يقول خبراء أسواق المال إنه إذا تباطأ الإنفاق، ستكون شركات الرقائق أول من يشعر عبر تراجع الطلبات، وهو ما ألمح إليه هبوط (Nvidia) و(Micron) و(ASML)، لكن الخسائر الأشد مالياً قد تنتقل لاحقاً إلى ملاك مراكز البيانات والمرافق التي استثمرت في شبكات ومحطات كهرباء لخدمة طلب لم يتحقق بالكامل، ثم إلى صناديق الائتمان الخاص التي تحمل قروضاً طويلة وغير سائلة.

لهذا لا يقول بنك التسويات الدولية إن أزمة ديون بدأت بالفعل؛ بل إن آلية انتقالها أصبحت موجودة، طالما تستمر إيرادات الذكاء الاصطناعي في اللحاق بالإنفاق، تستطيع التدفقات النقدية امتصاص الرافعة، أما إذا تباطأت الإيرادات بينما بقيت عقود الطاقة والإيجار وخدمة الدين ثابتة، فقد تتحول «فقاعة التقييمات» من خسارة يتحملها المساهمون إلى مشكلة ائتمان تتوزع على حملة السندات والمقرضين وصناديق البنية التحتية، وعندها يصبح السؤال أقل ارتباطاً بسعر سهم (Nvidia)، وأكثر ارتباطاً بمن موّل مركز البيانات.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة