كشف تقرير جديد صادر عن شركة «ساس»، استناداً إلى رؤى بحثية من مؤسسة «آي دي سي»، أن اعتماد ممارسات موثوقة للذكاء الاصطناعي يمثل أحد أهم العوامل التي تمكّن المؤسسات من تحقيق عوائد قوية من استثماراتها في هذه التقنية. واعتمد التقرير، الذي يحمل عنوان «تأثير البيانات والذكاء الاصطناعي: اقتصاد الثقة الجديد»، على استطلاع عالمي شمل 2699 من صناع القرار في قطاعي الأعمال والتكنولوجيا في 28 دولة، وأظهرت نتائجه أن المؤسسات التي تعتمد ممارسات موثوقة للذكاء الاصطناعي تزيد احتمالية إبلاغها عن تحقيق عائد استثماري قوي أو مرتفع من مشروعات الذكاء الاصطناعي بنحو 15 مرة مقارنة بالمؤسسات الأخرى.
الثقة ترفع عوائد الاستثمار
أشار التقرير السنوي الثاني إلى أن المؤسسات التي تعتمد أفضل ممارسات
الحوكمة وجودة البيانات وقابلية التدقيق تتفوق باستمرار على نظيراتها، رغم أن هذه المؤسسات لا تزال تمثل شريحة محدودة نسبياً من السوق.
وتحقق المؤسسات التي تطبق أقوى ممارسات الذكاء الاصطناعي الموثوقة مكاسب أكبر بنحو 1.85 مرة عبر 13 نتيجة أعمال مختلفة، من بينها نمو الإيرادات، وخفض التكاليف، وتحسين تجربة العملاء.
وتصل نسبة المؤسسات التي تحقق عائداً قوياً أو مرتفعاً على استثماراتها في الذكاء الاصطناعي إلى 62% بين المؤسسات التي تستثمر في ممارسات موثوقة، مقابل 4% فقط بين المؤسسات الأخرى.
كما تعتزم 85% من المؤسسات الرائدة في الذكاء الاصطناعي التي تتبنى ممارسات موثوقة زيادة استثماراتها في هذا المجال بأكثر من 10% خلال العام الجاري، ما يشير إلى احتمال اتساع فجوة الأداء مستقبلاً.
الموظفون يتجاوزون قرارات الذكاء الاصطناعي
تُظهر الدراسة أن 97.2% من المستخدمين يتجاوزون توصيات أو قرارات الذكاء الاصطناعي في بعض الحالات على الأقل.
ويأتي عجز النظام عن تفسير القرار الذي اتخذه في مقدمة الأسباب التي تدفع الموظفين إلى تجاوز مخرجات الذكاء الاصطناعي، بصرف النظر عن مدى صحتها.
ومع انتقال المؤسسات من الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى أنظمة أكثر استقلالية، تصبح قابلية التفسير والرقابة أكثر أهمية، إذ تنخفض نسبة الثقة في الذكاء الاصطناعي من 76% للذكاء الاصطناعي التوليدي إلى 66% للذكاء الاصطناعي الوكيل.
ويؤدي تجاوز الموظفين لقرارات الأنظمة وإجراء تعديلات يدوية إلى استنزاف الوقت والإنتاجية والأرباح، كما يعمّق فجوة الثقة في الذكاء الاصطناعي.
ضعف البنية التحتية للبيانات يعرقل العوائد
تعتمد معظم المؤسسات على بيانات وبنية تحتية قديمة أو غير متطورة بما يكفي لتلبية احتياجات تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ما يحد من قدرتها على إدارة هذه الأنظمة وتحقيق القيمة المرجوة منها.
ولا تمتلك سوى 17.5% من المؤسسات بنية تحتية للبيانات محسّنة بالكامل وجاهزة بما يكفي لتلبية متطلبات الذكاء الاصطناعي الوكيل.
وتكون المؤسسات التي تمتلك بنية تحتية محسّنة للبيانات أكثر ترجيحاً بأربع مرات لتحقيق عائد استثمار قوي متوقع من مشروعات الذكاء الاصطناعي، كما تزيد احتمالية فرضها ضوابط جودة البيانات وقابلية التفسير اللازمة لبناء الثقة بست مرات.
براين هاريس: العنصر البشري يظل محورياً
قال براين هاريس، المدير التنفيذي للتكنولوجيا في «ساس»، إن تطبيق الذكاء الاصطناعي بالشكل الصحيح يمكن أن يجعل تأثيره هائلاً، لكن أحدث الأنظمة الذكية قد تسجل معدلات خطأ تتجاوز 25% عند التعامل مع المهام المعقدة، وهو مستوى لا يمكن قبوله في عمليات صنع القرار الحاسمة.
وأضاف أن المؤسسات مطالبة بدمج الخبرات المتخصصة ضمن سير عمل الأنظمة الذكية، مع الحفاظ على الدور المحوري للعنصر البشري في الحوكمة والإشراف، مؤكداً أن تحقيق هذا التوازن يساعد المؤسسات على تضييق فجوة الثقة واكتساب ميزة تنافسية.
«آي دي سي»: الحوكمة لم تعد خياراً
قال كريس مارشال، نائب رئيس «آي دي سي»، إن تزايد استقلالية أنظمة الذكاء الاصطناعي يفرض على المؤسسات تحدياً جديداً يتمثل في الحفاظ على الثقة في أنظمة لا يفهم الموظفون آليات عملها بشكل كامل.
وأضاف أن تعزيز الرقابة ووضوح التفسيرات وترسيخ المساءلة وبناء أسس متينة للبيانات لم تعد خيارات إضافية، بل أصبحت متطلبات أساسية لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي بنجاح.
البنوك تتجه إلى الحوكمة كميزة تنافسية
تظهر نتائج الدراسة اختلافاً واضحاً بين القطاعات.
ففي القطاع المصرفي، وضعت 85% من البنوك الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي أطر عمل واضحة للحوكمة، مقارنة بـ29% فقط من البنوك المتأخرة في هذا المجال.
ويشير ذلك إلى تحول الحوكمة من مجرد أداة للامتثال التنظيمي إلى ميزة تنافسية وضرورة تشغيلية مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات المالية.
القطاع العام يرفع الاستثمارات
يعتزم 41% من قادة القطاع العام زيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي الموثوق بنسبة تتجاوز 20% خلال العام المقبل، وهي وتيرة نمو تتجاوز ما تخطط له المؤسسات الأكثر طموحاً في مختلف القطاعات.
وتأتي هذه النتائج في وقت تشير فيه أبحاث «ساس» إلى أن القطاع العام يواجه تحدياً خاصاً يتمثل في الموازنة بين سرعة تبني الذكاء الاصطناعي وضرورة المساءلة العامة.
نجحت 23% من المؤسسات العاملة في مجال علوم الحياة في توسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي ليشمل الشركة بأكملها، وهي أعلى نسبة مقارنة بأي قطاع آخر ضمن الدراسة.
وشملت الدراسة أربعة قطاعات رئيسية هي الخدمات المصرفية والتأمين وعلوم الحياة والقطاع العام، مع التركيز على كيفية تعامل المؤسسات حول العالم مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات.
مصر تراهن على الذكاء الاصطناعي
تكتسب نتائج الدراسة أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر، التي جاءت في المرتبة الـ51 عالمياً من بين الـ195 دولة في مؤشر جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي لعام 2025 الصادر عن مؤسسة «أوكسفورد إنسايتس»، متقدمة 14 مركزاً خلال عام واحد وفق البيانات الواردة في التقرير.
ويغطي مؤشر 2025 نحو 195 حكومة، ويركز على قدرة الحكومات على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحقيق منافع عامة، بما يشمل دورها كمستخدم وممكّن ومنظم للتقنية.
ويتزامن ذلك مع الاستراتيجية الوطنية المصرية للذكاء الاصطناعي 2025-2030، التي تستهدف رفع مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي وتأهيل 30 ألف متخصص في المجال بحلول عام 2030.
ومع توسع مصر في طموحاتها المتعلقة بالذكاء الاصطناعي على المستويين الحكومي والصناعي، تبرز جودة البيانات والحوكمة وقابلية التفسير والرقابة البشرية كعوامل أساسية لتحويل التوسع في استخدام التقنية إلى عوائد اقتصادية ملموسة.
ما الذي يجعل الذكاء الاصطناعي موثوقاً؟
الذكاء الاصطناعي الموثوق هو ذلك المصمم ليكون موثوقاً وعادلاً وآمناً ومتوافقاً مع المعايير التنظيمية، وقادراً في الوقت نفسه على توضيح آلية اتخاذ قراراته بصورة واضحة ومفهومة.
وتحدد «ساس» مجموعة من المبادئ الأساسية للذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة، من بينها التركيز على الإنسان، والمساءلة، والشفافية، والشمول، والصلابة والأمان، والخصوصية والأمن.
ويجب أن يكون المستخدمون وصناع القرار قادرين على إخضاع النظام لسلسلة مساءلة محددة مسبقاً عندما تكون مخرجاته غير صحيحة أو ناقصة، مع إخضاع الأنظمة لحوكمة واضحة وصارمة.
خمسة معايير للقادة في الذكاء الاصطناعي
قيّمت الدراسة المؤسسات على مقياس من 100 نقطة عبر خمسة أبعاد رئيسية للذكاء الاصطناعي الجدير بالثقة، واعتبرت المؤسسات التي بلغ متوسط مجموع نقاطها 80 نقطة أو أكثر «قادة موثوقين» في الذكاء الاصطناعي.
وشملت المعايير جودة البيانات والحوكمة، نموذج الحوكمة والرقابة، قابلية التفسير والإنصاف، سياسة الذكاء الاصطناعي المسؤول، و التدقيق والمساءلة.