الصين تتسابق لبناء صناعة سينمائية جديدة بالذكاء الاصطناعي

221.9 ألف عمل بالذكاء الاصطناعي في الصين خلال 6 أشهر.. والسوق يواجه خطر التخمة (شترستوك)
الصين تراهن على الذكاء الاصطناعي لصناعة السينما
221.9 ألف عمل بالذكاء الاصطناعي في الصين خلال 6 أشهر.. والسوق يواجه خطر التخمة (شترستوك)

تسعى الصين إلى تحويل الفيديوهات والأفلام المنتجة بالذكاء الاصطناعي من تجربة تقنية ناشئة إلى صناعة متكاملة، في إطار توجه أوسع لدمج الذكاء الاصطناعي في قطاعات الاقتصاد المختلفة.

وتتنافس المدن والمناطق الصناعية الصينية على جذب شركات ومبدعي أفلام الذكاء الاصطناعي، من خلال تقديم حوافز تشمل الدعم التقني، وتوفير القدرة الحوسبية، وخفض الإيجارات، إلى جانب منح وإعانات مالية.

وتأتي هذه السياسة ضمن نهج صناعي استخدمته الصين سابقًا في تطوير قطاعات مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية والروبوتات، بهدف بناء منظومات إنتاجية قادرة على المنافسة عالميًا.

سباق بين المدن لجذب صناع أفلام الذكاء الاصطناعي

يقول صانع أفلام الذكاء الاصطناعي تشو تشيلي إنه تلقى خلال العام الحالي اتصالات متكررة من مسؤولين في مدن ومجمعات صناعية صينية، يعرضون عليه نقل نشاطه أو تأسيس شركات وتقنيات جديدة في مناطقهم.

وكانت شنتشن الخيار الواضح قبل عامين عندما كان يبحث عن مقر لاستوديو أفلام يعتمد على الذكاء الاصطناعي، مستفيدًا من البنية التكنولوجية المتطورة للمدينة.

لكن المنافسة اتسعت حاليًا، مع دخول مدن ومناطق أخرى على خط جذب المواهب والشركات العاملة في هذا المجال، عبر توفير مساحات عمل مدعومة، ومساعدات معيشية، وإمكانات حوسبة منخفضة التكلفة.

انخفاض هائل في تكلفة الإنتاج

يمثل انخفاض تكلفة الإنتاج أحد أهم العوامل التي تدفع صناع المحتوى إلى استخدام الذكاء الاصطناعي.

ووفقًا للتلفزيون الرسمي الصيني، تراجعت تكلفة إنتاج الدراما القصيرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي خلال النصف الأول من 2026 من نحو 5 آلاف يوان للدقيقة إلى بضع مئات من اليوانات فقط.

وقال طالب دراسات عليا في الإخراج السينمائي من مقاطعة هاينان إن تصوير مشهد زفاف بالطريقة التقليدية كان يمكن أن يُكلف نحو 60 ألف يوان، بينما انخفضت تكلفة إنتاج المشهد نفسه باستخدام الذكاء الاصطناعي إلى نحو 1400 يوان.

وأسهمت الإعانات الحكومية وإعفاءات الإيجار في خفض تكاليف الحوسبة التي يتحملها بعض صناع المحتوى بصورة أكبر.

بكين وشانغهاي وشنتشن تدخل المنافسة

لم تقتصر الحوافز على مدينة واحدة، إذ أطلقت شنغهاي في مايو إجراءات لتسريع إنتاج الأعمال الدرامية القصيرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، من بينها توفير القدرة الحوسبية ونماذج الذكاء الاصطناعي السحابية، إلى جانب دعم توزيع المحتوى في الخارج.

وفي بكين، يوجد صندوق بقيمة 260 مليون يوان لدعم تكنولوجيا الوسائط السمعية والبصرية، بينما توفر منطقة هوايرو، التي تعد مركزًا لصناعة السينما الصينية، قسائم لمنتجي الدراما القصيرة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي لخفض تكاليف الحوسبة.

كما تعمل شنتشن على جذب المواهب المتخصصة من خلال الدعم الفني لإنتاج الفيديو والمؤثرات البصرية وتوليد المحتوى، إلى جانب توفير إيجارات مدعومة.

وتراهن منصة آي تشي يي (iQIYI) أيضًا على هذا الاتجاه، إذ أعلن رئيسها التنفيذي غونغ يو في أغسطس أن الشركة تتوسع بقوة في الذكاء الاصطناعي، مع تقديم دعم لبعض صناع المحتوى لإنتاج أعمال تعتمد على التكنولوجيا.

221.9 ألف عمل بالذكاء الاصطناعي في 6 أشهر

لكن سرعة نمو الإنتاج تثير مخاوف من تخمة المحتوى قبل أن يتمكن السوق من استيعابه.

وبحسب بيانات شركة داتا آي، أُطلق نحو 221.9 ألف عمل جديد بالذكاء الاصطناعي على منصة دوين، النسخة الصينية من تيك توك، خلال النصف الأول من 2026.

لكن 1055 عملًا فقط تجاوزت مشاهداتها 100 مليون مشاهدة، وهو مستوى يستخدم عادة كمؤشر على نجاح الأعمال واسعة الانتشار.

وتشير هذه الفجوة إلى أن خفض تكلفة الإنتاج قد يؤدي إلى زيادة هائلة في المعروض، بينما يظل جذب انتباه الجمهور وتحقيق المشاهدة الواسعة أكثر صعوبة.

أول فيلم ذكاء اصطناعي يحصل على ترخيص للعرض السينمائي

تتجه صناعة الذكاء الاصطناعي في الصين أيضًا من محتوى الإنترنت والدراما القصيرة إلى الأفلام الطويلة.

ومنحت إدارة السينما الوطنية الصينية ترخيصًا للعرض العام لفيلم الخيال العلمي «سانشينغدوي: ذكريات المستقبل»، الذي تبلغ مدته 90 دقيقة، ليصبح أول فيلم يعتمد على الذكاء الاصطناعي من إنتاج استوديو صيني كبير يحصل على موافقة للعرض السينمائي في البلاد.

وقالت شركة بونا فيلم غروب المنتجة للعمل إنه من المقرر طرحه في دور السينما الصينية خلال العام الحالي.

مخاوف بشأن الوظائف والملكية الفكرية

رغم انتشار المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، تواجه الصناعة اعتراضات تتعلق باستخدام صور وأصوات الممثلين، واحتمالات التأثير في وظائف العاملين في مجال التعليق الصوتي، إضافة إلى مخاوف بشأن حقوق الملكية الفكرية.

كما يشكو بعض المستهلكين من استخدام شخصيات أو مقاطع أصلية لأشخاص آخرين داخل أعمال مولدة بالذكاء الاصطناعي من دون نسبها إلى أصحابها.

وتفرض الصين بالفعل وضع علامات واضحة على المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، لكنها لم تضع حتى الآن إطارًا واضحًا وشاملًا لقواعد حقوق الملكية الفكرية الخاصة بهذا النوع من المحتوى.

من الإنتاج منخفض التكلفة إلى صناعة عالمية

وبينما تراهن الصين على الدعم الحكومي وانخفاض تكاليف الإنتاج لبناء صناعة جديدة، فإن التحدي يتمثل في تحويل وفرة المحتوى إلى أعمال قادرة على جذب الجمهور وتحقيق عوائد تجارية مستدامة.

وبدأ صناع الأفلام الصينيون بالفعل في عرض أعمالهم خارج البلاد، إذ قدّمت المخرجة تساو يي ون فيلمًا رسومياً بالذكاء الاصطناعي خلال مهرجان عالمي لأفلام الذكاء الاصطناعي في كان عام 2026.

ويشير توسع الدعم الحكومي، وتراجع تكاليف الإنتاج، ودخول منصات البث والأفلام الطويلة إلى المجال، إلى انتقال الذكاء الاصطناعي في قطاع السينما الصيني من مرحلة التجارب الفردية إلى محاولة بناء منظومة صناعية متكاملة، مع استمرار تحديات الطلب وحقوق الملكية وأصالة المحتوى.

تأتي هذه الطفرة ضمن استراتيجية صينية أوسع لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، في وقت تحاول فيه البلاد تطوير صناعات تقنية جديدة والاستفادة من البنية التحتية الرقمية والقدرات الحوسبية المحلية.

ويشبه النهج المتبع في صناعة المحتوى بالذكاء الاصطناعي سياسات صناعية استخدمتها الصين في قطاعات أخرى، إذ تتنافس الحكومات المحلية على جذب الشركات والمواهب من خلال الحوافز والاستثمارات وتوفير البنية التحتية.

لكن تجربة قطاعات أخرى تُظهر أيضًا أن زيادة الطاقة الإنتاجية بسرعة قد تخلق فجوة بين حجم المعروض والطلب المحلي، وهو ما بدأ يظهر في سوق فيديوهات الذكاء الاصطناعي من خلال العدد الكبير من الأعمال الجديدة مقارنة بعدد محدود نسبيًا من الأعمال التي تحقق انتشارًا واسعًا.

(رويترز)

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة