من اليابان.. «رسالة أوشيدا»: طفرة الذكاء الاصطناعي قد تُعرِض عصر الفائدة المنخفضة إلى الزوال
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل ساعتين
آخر تعديل: قبل ساعة
الذكاء الاصطناعي ينهي عصر الفائدة المنخفضة (شترستوك)
الذكاء الاصطناعي ينهي عصر الفائدة المنخفضة (شترستوك)
مع انتقال السباق من البرمجيات إلى مراكز البيانات والرقائق ومحطات الكهرباء والديون، بدأ سؤال أكثر عمقاً يفرض نفسه على البنوك المركزية، وهو هل يستطيع الذكاء الاصطناعي رفع سعر الفائدة الطبيعي (r-star)، وبالتالي إبقاء تكلفة الاقتراض عالمياً أعلى مما اعتادت عليه الاقتصادات في العقد السابق للجائحة؟
وضع نائب محافظ بنك اليابان شينيتشي أوشيدا، هذه الفرضية في قلب النقاش النقدي، ففي خطاب رسمي في 5 أكتوبر تشرين الأول، وصف طفرة الذكاء الاصطناعي بأنها «صدمة طلب إيجابية كبيرة» تدفع النشاط والأسعار، وفي الوقت نفسه قد ترفع الإنتاجية وتراكم رأس المال مستقبلاً، بما يؤثر في سعر الفائدة الطبيعي، كما أشار إلى مفارقة أخرى، وهي ارتفاع الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يخفف الأوضاع المالية، بينما يدفع إصدار الشركات كميات ضخمة من السندات باتجاه تشديدها عبر رفع العوائد طويلة الأجل.
من متغير نظري إلى قلب السياسة النقدية
يمثل سعر الفائدة الطبيعي معدل الفائدة الحقيقي الذي يتوازن عنده الاقتصاد قرب طاقته الكاملة مع استقرار التضخم، وفق تعريف بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، فالمشكلة أنه غير قابل للملاحظة مباشرة، وتختلف تقديراته باختلاف النماذج، لكن المؤشرات تتحرك بالفعل لأعلى.
وفي توقعات سبتمبر أيلول، رفع مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي الوسيط المتوقع لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية في الأجل الطويل إلى 3.2% من 3.1% في يونيو/حزيران، وهو مقياس يستخدم غالباً كإشارة تقريبية لمستوى الفائدة الاسمي المحايد.
ومع هدف تضخم عند 2%، يعني ذلك ضمناً مستوى حقيقياً قرب 1.2%، وإن لم يكن مطابقاً حسابياً لنماذج سعر الفائدة الطبيعي، وفق بيانات الفيدرالي الأميركي.
الأكثر دلالة أن نموذج (DSGE) لدى الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، والذي يّعد أداة اقتصادية كبرى تُستخدم للتنبؤ بالمتغيرات الاقتصادية وتحليل السياسات النقدية، قدّر في سبتمبر أيلول الفائدة الطبيعية الحقيقية قصيرة الأجل بنحو 1.9% بنهاية 2026 و1.8% في 2027 و1.4% في 2028.
وكان البنك قد أشار في يونيو حزيران تحديداً إلى أن ازدهار الاستثمار المرتبط بالذكاء الاصطناعي يدعم النمو، وأن تحسن الإنتاجية الكلية أحد العوامل التي رفعت تقديرات سعر الفائدة الطبيعي، وفق (Liberty Street Economics).
وذكرت رسالة أوشيدا، أن الأثر المؤكد للذكاء الاصطناعي حالياً يقع على جانب الطلب: الشركات تنفق على الخوادم والرقائق والأراضي وشبكات الكهرباء ومراكز البيانات قبل أن يعرف أحد حجم مكاسب الإنتاجية النهائية.
وتشير تقديرات غولدمان ساكس إلى أن إنفاق شركات الحوسبة السحابية الأميركية العملاقة قد يصل إلى نحو 1.1 تريليون دولار بحلول 2027.
وفي الولايات المتحدة وحدها، رفع غولدمان توقعاته لقدرة مراكز البيانات إلى 64 غيغاواط بنهاية 2026 ثم 90 غيغاواط في 2027، ويعني هذا طلباً هائلاً على رأس المال والطاقة والعمالة والتمويل، وإذا نما الاستثمار أسرع من المدخرات المتاحة، يرتفع السعر الذي يوازن بينهما: أي سعر الفائدة الطبيعي، وفق رويترز.
أما الأثر الثاني بحسب رسالة أوشيدا فيأتي لاحقاً، فإذا حقق الذكاء الاصطناعي بالفعل قفزة دائمة في الإنتاجية والنمو المحتمل، فقد تصبح الشركات مستعدة للاستثمار حتى عند معدلات فائدة أعلى. وهذا يختلف جذرياً عن بيئة ما قبل الجائحة، حين ساعد ضعف نمو الإنتاجية في الضغط على سعر الفائدة الطبيعي، وهي علاقة أكدها رئيس الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون وليامز عند استعراض التجربة الأميركية السابقة.
عندما تموّل طفرة الذكاء الاصطناعي نفسها بالسندات
أصدرت شركات الحوسبة العملاقة، ومنها ألفابت وأمازون وميتا ومايكروسوفت وأوراكل، نحو 220 مليار دولار من السندات خلال عام واحد لتمويل توسعات مراكز البيانات. وفي الأجزاء الأعلى مخاطرة من سوق الائتمان، قفز التمويل المرتبط بالذكاء الاصطناعي إلى نحو 88 مليار دولار في 2026 مقابل 20 ملياراً في مطلع 2025.
وتتوقع الأسواق وصول إصدارات سندات AI إلى مستوى قياسي يبلغ نحو 420 مليار دولار في 2027، وفق رويترز.
ويقول خبراء أسواق المال إن هذه الكمية من المعروض لا تغير سعر الفائدة الطبيعي وحدها، لكنها تنافس الحكومات والمقترضين الآخرين على رأس المال وتضغط على العوائد وهوامش الائتمان، ما يجعل طفرة التكنولوجيا عاملاً جديداً في تكلفة التمويل العالمية.
اليابان قد تضاعف الضغط على سندات أميركا
ووفق رسالة أوشيدا، فإن البعد الياباني يجعل القصة عالمية، حيث بلغ عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل عشر سنوات نحو 3.1% في 6 أكتوبر، قرب أعلى مستوياته في ثلاثة عقود، فيما وصل عائد الثلاثين عاماً إلى نحو 4.24%، وفق (Business Recorder).
ويرى خبراء أسواق المال أنه كلما أصبحت السندات المحلية أكثر جاذبية للمستثمر الياباني، تقل ميزة الاحتفاظ بالسندات الخارجية بعد حساب تكلفة التحوط من العملة، وهذه نقطة حساسة لواشنطن لأن اليابان ما زالت أكبر حامل أجنبي للخزانة الأميركية، بحيازات بلغت 1.104 تريليون دولار في يوليو، منخفضة من نحو 1.210 تريليون في أبريل، وفق بيانات وزارة الخزانة الأميركية.
ويقول الخبراء إن ارتفاع العوائد اليابانية بدأ بالفعل يدفع المستثمرين إلى إعادة تقييم تعرضهم للسندات الأميركية والأوروبية، في وقت قلص فيه المستثمرون اليابانيون حيازاتهم من السندات الأجنبية خلال أغسطس، وفق رويترز.
هل أصبح الذكاء الاصطناعي سبباً في بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع؟
يجيب خبراء أسواق المال بأن الذكاء الاصطناعي جزء من السبب، وليس السبب كله؛ فالعائد على سندات الخزانة الأميركية لأجل عشر سنوات كان قرب 5.28% في 6 أكتوبر تشرين الأول بعدما لامس مستويات هي الأعلى منذ أكثر من عقدين، لكن الارتفاع يعكس خليطاً أوسع يشمل توقعات السياسة النقدية، والتضخم، والعجز المالي، والإصدارات الحكومية الضخمة وعلاوة الأجل؛ ولا توجد أدلة كافية لعزو موجة العوائد وحدها إلى اقتراض شركات التكنولوجيا، وفق فايننشال تايمز.
مع ذلك، ما يتغير هو الاتجاه الهيكلي. فإذا استمر الذكاء الاصطناعي في خلق طلب استثماري بتريليونات الدولارات، ثم أثبت قدرته على رفع الإنتاجية والنمو المحتمل، فقد لا تعود الفائدة المنخفضة جداً هي الحالة الطبيعية التي ينتظرها المستثمرون بعد كل أزمة.
وعندها ستكون المفارقة الأكبر في طفرة الذكاء الاصطناعي أنها ربما لا تعيد تسعير شركات التكنولوجيا فقط، بل تعيد تسعير رأس المال نفسه.