طفرة الذكاء الاصطناعي تقلب موازين التكنولوجيا.. أرباح قياسية للرقائق وفاتورة أثقل للهواتف والحواسيب

طفرة الذكاء الاصطناعي تقلب موازين التكنولوجيا.. أرباح قياسية للرقائق وفاتورة أثقل للهواتف والحواسيب (الصورة بالذكاء الاصطناعي)
طفرة الذكاء الاصطناعي تقلب موازين التكنولوجيا.. أرباح قياسية للرقائق وفاتورة أثقل للهواتف والحواسيب
طفرة الذكاء الاصطناعي تقلب موازين التكنولوجيا.. أرباح قياسية للرقائق وفاتورة أثقل للهواتف والحواسيب (الصورة بالذكاء الاصطناعي)

بينما تجني شركات رقائق الذاكرة مليارات الدولارات من سباق بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، تواجه شركات الهواتف والحواسيب معادلة أكثر صعوبة: مكونات أغلى، وإمدادات محدودة، ومستهلكون قد يضطرون إلى دفع المزيد مقابل أجهزتهم.

لم تعد طفرة الذكاء الاصطناعي مجرد قصة عن شركات تطور نماذج أكثر تقدماً أو تبني مراكز بيانات أضخم، بل أصبحت قوة تعيد توزيع الأرباح والتكاليف داخل صناعة التكنولوجيا، لتخلق رابحين من ارتفاع أسعار الرقائق، وخاسرين يتحملون جانباً من فاتورة السباق على الحوسبة.

وتقدم سامسونغ إلكترونيكس مثالاً لافتاً على هذا التناقض؛ إذ توقعت الشركة أرباحاً تشغيلية تبلغ 107.4 تريليون وون، ما يعادل نحو 80.17 مليار دولار، خلال الربع الثالث من عام 2026، بزيادة تقارب تسعة أمثال مستواها قبل عام، مدفوعة بالطلب القوي على رقائق الذاكرة المستخدمة في تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

لكن الصورة داخل الشركة نفسها ليست متجانسة؛ فالطفرة التي تدعم نشاط أشباه الموصلات تزيد في الوقت نفسه الضغوط على أنشطة أخرى، من بينها الهواتف الذكية والإلكترونيات الاستهلاكية، مع ارتفاع تكاليف المكونات، ووفقاً لتقرير رويترز المنشور في 7 أكتوبر، واجه قطاع الهواتف في سامسونغ خسائر تجاوزت مليار دولار وسط هذه الضغوط.

وهنا تكمن المفارقة: الشركة التي تصنع المكونات اللازمة لتشغيل ثورة الذكاء الاصطناعي قد تجد نفسها مضطرة إلى دفع المزيد للحصول على بعض المكونات التي تحتاج إليها منتجاتها الأخرى.

من مراكز البيانات إلى جيب المستهلك

تبدأ القصة من الطلب المتزايد على الذاكرة عالية النطاق الترددي، المعروفة اختصاراً باسم HBM، وهي مكون أساسي في الأنظمة التي تستخدمها مراكز البيانات لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها.

ومع ضخ شركات التكنولوجيا الكبرى استثمارات ضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه المكونات أكثر أهمية وربحية لمصنعي الرقائق، وفي المقابل يتجه جانب من قدرات الإنتاج والاستثمار إلى تلبية طلب مراكز البيانات، ما يضيّق المعروض من أنواع أخرى من الذاكرة المستخدمة في الهواتف والحواسيب الشخصية.

وتشير مؤسسة البيانات الدولية «IDC» إلى أن توسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يضغط على منظومة إنتاج الذاكرة، مع إعادة توجيه قدرات تصنيع نحو المكونات المخصصة لمراكز البيانات، وهو ما يسهم في ارتفاع أسعار الذاكرة التقليدية أيضاً.

ولا يعني ذلك أن كل رقاقة مخصصة للذكاء الاصطناعي تحل مباشرة محل رقاقة هاتف أو حاسوب؛ فالمكونات تختلف في المواصفات والاستخدامات، لكن الشركات المصنعة تعمل ضمن منظومة إنتاج محدودة الموارد، ويمكن أن تؤدي إعادة ترتيب الأولويات إلى زيادة الضغط على المعروض من المكونات الأخرى.

والنتيجة المحتملة تتجاوز قطاع الرقائق: فكلما ارتفعت تكلفة الذاكرة والتخزين، زادت صعوبة احتفاظ مصنعي الأجهزة بأسعار تنافسية وهوامش أرباح مستقرة في الوقت نفسه.

الحواسيب أمام اختبار الأسعار والطلب

تظهر الضغوط بوضوح في سوق الحواسيب الشخصية، حيث تتوقع «IDC» انخفاض الشحنات العالمية خلال عام 2026 بنسبة 11.3%، مع تراجع قد يصل إلى 20% على أساس سنوي في الربع الأخير، وفق تقديرات نشرتها المؤسسة في يونيو.

كما توقعت ارتفاع متوسط أسعار بيع الحواسيب الشخصية بنحو 18.3% خلال العام، في ظل استمرار نقص الذاكرة وارتفاع تكاليف المكونات.

وتضع هذه التطورات الشركات المصنعة أمام خيارات صعبة: تمرير جانب من الزيادة إلى المستهلكين، أو تقليص هوامش الربح، أو تعديل مواصفات بعض الأجهزة، أو إعادة ترتيب المنتجات التي تطرحها في الأسواق.

لكن رفع الأسعار ليس قراراً بلا تكلفة، فالأجهزة الأعلى سعراً قد تدفع بعض المستهلكين إلى تأجيل الترقية أو اختيار طرازات أقل تكلفة، وهو ما قد يضغط على أحجام المبيعات حتى إذا ارتفعت الإيرادات لكل جهاز مبيع.

وبذلك، قد تحقق الشركات إيرادات أعلى من بيع عدد أقل من الأجهزة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة تحسناً مماثلاً في حجم السوق أو أرباح جميع الشركات العاملة فيه.

الرابحون ليسوا بمنأى عن المخاطر

في الجانب الآخر، تبدو شركات إنتاج الذاكرة في موقع أفضل للاستفادة من ارتفاع الطلب والأسعار، لكن استمرار المكاسب ليس مضموناً.

فصناعة أشباه الموصلات دورية بطبيعتها؛ إذ يمكن أن تشجع الأسعار المرتفعة الشركات على توسيع الطاقة الإنتاجية، قبل أن يؤدي وصول قدرات جديدة إلى تخفيف النقص وزيادة المنافسة والضغط على الأسعار.

كما أن تصنيع الرقائق المتقدمة يتطلب استثمارات ضخمة ووقتاً طويلاً، ما يجعل الاستجابة السريعة لتغيرات الطلب أمراً صعباً، وإذا تباطأت استثمارات الذكاء الاصطناعي أو لم تحقق العوائد التي تتوقعها الشركات، فقد تجد بعض الموردين أمام طاقة إنتاجية مرتفعة وتوقعات أرباح أقل تفاؤلاً.

وتواجه سامسونغ نفسها تحدياً إضافياً يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين الاستفادة من الطلب على رقائق الذاكرة والحفاظ على تنافسية أنشطتها الأخرى، لذلك لا تكفي الأرباح القياسية وحدها للحكم على قوة المجموعة بأكملها، خصوصاً قبل ظهور النتائج التفصيلية لكل قطاع.

هل تصبح الأجهزة الإلكترونية أكثر تكلفة؟

بالنسبة إلى المستهلك، لا تتمثل المسألة بالضرورة في زيادة فورية وموحدة لأسعار جميع الهواتف والحواسيب، بل في اتساع الضغوط التي تواجه الشركات عند تسعير منتجاتها.

فقد تختار شركة تحمل الزيادة في تكاليف الإنتاج مؤقتاً للحفاظ على حصتها السوقية، بينما قد ترفع أخرى أسعار بعض الطرازات أو تقلص العروض أو تؤجل تقديم أجهزة بمواصفات أعلى، ويتوقف الأثر النهائي على حجم اعتماد كل منتج على الذاكرة، وقدرة الشركة على تأمين الإمدادات، ومدى استعداد المستهلكين لقبول أسعار أعلى.

لكن استمرار نقص المكونات قد يجعل المنافسة أكثر صعوبة، خصوصاً أمام الشركات التي تعتمد على الأجهزة منخفضة التكلفة لجذب المشترين في الأسواق الحساسة للأسعار.

وهكذا، فإن طفرة الذكاء الاصطناعي لا تعيد رسم خريطة الأرباح داخل وادي السيليكون وصناعة أشباه الموصلات فحسب؛ بل تمتد آثارها إلى سوق الأجهزة التي يستخدمها المستهلكون يومياً.

المعادلة الجديدة لصناعة التكنولوجيا واضحة: الطلب على الذكاء الاصطناعي يخلق فرصاً ضخمة لموردي الرقائق، لكنه قد يرفع تكلفة الوصول إلى التكنولوجيا نفسها بالنسبة إلى بقية الشركات والمستهلكين.

live stream

الأكثر قراءة

live stream

الأكثر مشاهدة