الذكاء الاصطناعي ينقذ النمو العالمي من التباطؤ ويعيد رسم مستقبل 40% من الوظائف
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل 4 ساعات
آخر تعديل: قبل 3 ساعات
الذكاء الاصطناعي يعد رسم 40% من الوظائف عالمياً (شترستوك)
الذكاء الاصطناعي يعد رسم 40% من الوظائف عالمياً (شترستوك)
يُعد الذكاء الاصطناعي أحد أبرز محركات صمود الاقتصاد العالمي أمام صدمات الطاقة وارتفاع تكاليف التمويل، بعدما ساعدت الاستثمارات الضخمة في الرقائق ومراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية على إبقاء النمو قرب 3% خلال عام 2026، لكن الطفرة نفسها تهدد بإعادة تشكيل سوق العمل، مع احتمال تأثر نحو 40% من الوظائف عالمياً، ترتفع إلى 60% في الاقتصادات المتقدمة.
وقالت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، خلال الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي في بانكوك، الاثنين 12 أكتوبر تشرين الأول، إن طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي أحدثت صدمة إيجابية في الطلب والاستثمار، تعوض جزئياً التداعيات السلبية لاضطرابات إمدادات الطاقة، وفق وكالة رويترز.
وقدّرت غورغييفا أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما بين 0.5 ونقطة مئوية كاملة إلى النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة، وبين 0.2 و0.8 نقطة مئوية في الاقتصادات الآسيوية الناشئة، ما يعكس اتساع الأثر الاقتصادي للتكنولوجيا خارج الولايات المتحدة.
استثمارات الذكاء الاصطناعي تتحول إلى محرك للنمو
لم يعد تأثير الذكاء الاصطناعي مقتصراً على ارتفاع تقييمات شركات التكنولوجيا، بل امتد إلى الاقتصاد الحقيقي عبر الإنفاق على أشباه الموصلات والخوادم والشبكات ومراكز البيانات ومنشآت الطاقة اللازمة لتشغيلها.
وبحسب أحدث توقعات مؤسسة غارتنر الصادرة في 16 سبتمبر أيلول، يُنتظر أن يبلغ الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي 2.7 تريليون دولار خلال 2026، بزيادة 49.5% مقارنة بالعام السابق.
وتعكس هذه الأرقام اتساع دورة الاستثمار لتشمل شركات تصنيع الرقائق وموردي المعدات ومطوري البرمجيات ومشغلي الخدمات السحابية، وإن كان الإنفاق على البنية التحتية، ولا سيما الخوادم المحسنة للذكاء الاصطناعي، يظل أحد أبرز محركات الطفرة.
ويرى خبراء التكنولوجيا أن ثمة فارقاً اقتصادياً جوهرياً بين الإنفاق على بناء القدرات التكنولوجية وتحقيق مكاسب إنتاجية مستدامة؛ فالاستثمار في مراكز البيانات يرفع الطلب على المعدات والإنشاءات فوراً، بينما تتوقف المكاسب طويلة الأجل على قدرة الشركات على استخدام النماذج لتقليل التكاليف وزيادة الإنتاج لكل ساعة عمل.
وبحسب خبراء أسواق المال يمثل هذا التفاوت الاختبار الأهم لاستدامة الطفرة؛ فقد تحدثت غورغييفا، وفق رويترز، عن قدرة الذكاء الاصطناعي على دعم النمو العالمي، لكنها لم تقدم تقديراً يفصل بدقة بين مساهمة الإنفاق الاستثماري الحالية والمكاسب الإنتاجية المتحققة فعلياً.
وتشير تحليلات نشرتها رويترز في 12 أكتوبر تشرين الأول إلى ضخامة الرهانات المالية، إذ قدّر الباحث ستين فان نيويربورغ من جامعة كولومبيا الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي حتى عام 2032 بنحو 10.3 تريليون دولار، ما يستلزم إيرادات سنوية تصل إلى 3.55 تريليون دولار لتبرير حجم الإنفاق وفق افتراضات التقدير.
وهذا يضع الشركات أمام تحدي تحويل الاستثمارات الرأسمالية إلى تدفقات نقدية وأرباح إنتاجية قابلة للقياس، بدلاً من الاعتماد المستمر على توسع الإنفاق والتقييمات المرتفعة.
الرقائق ومراكز البيانات تستحوذ على الحصة الأكبر
تكشف بيانات غارتنر عن اختلال واضح في توزيع الإنفاق بين مكونات صناعة الذكاء الاصطناعي، إذ يُتوقع أن تستحوذ البنية التحتية على نحو 1.48 تريليون دولار خلال 2026، مقابل 576.5 مليار دولار للخدمات و461.6 مليار دولار للبرمجيات.
وتعني هذه التقديرات بحسب الخبراء أن البنية التحتية تستحوذ على نحو 55.6% من إجمالي الإنفاق المتوقع، مقابل 21.6% للخدمات و17.3% للبرمجيات، وفق حسابات مستندة إلى بيانات المؤسسة.
وتبرز آسيا باعتبارها أحد المستفيدين الرئيسيين من هذه الدورة الاستثمارية، بفضل موقعها في سلاسل توريد الرقائق والمعدات الإلكترونية.
وتتوقع تقديرات نقلتها رويترز ارتفاع أرباح شركة TSMC التايوانية 65% خلال الربع الثالث، مدفوعة بالطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي.
40 % من الوظائف معرضة للتغيير لا الاختفاء
في المقابل، يحذّر صندوق النقد من أن المكاسب الاستثمارية قد تتزامن مع اضطرابات واسعة في أسواق العمل.
لكن تعرض 40% من الوظائف عالمياً لتأثير الذكاء الاصطناعي لا يعني اختفاء 40% منها، فالتقدير يشمل الوظائف التي قد تتحسن إنتاجيتها أو تتغير مهامها أو يتراجع الطلب عليها.
وأوضح تحليل للصندوق أن نحو نصف الوظائف المعرضة للتأثير في الاقتصادات المتقدمة يمكن أن تستفيد من التكامل مع التكنولوجيا، بينما تواجه النسبة المتبقية مخاطر انخفاض الطلب على العمل أو الأجور.
وتتقدم الأعمال المكتبية والإدارية وخدمة العملاء والمحاسبة والمهام التحليلية المتكررة قائمة الأنشطة الأكثر تعرضاً للأتمتة.
وتؤكد منظمة العمل الدولية هذا التمييز؛ إذ خلصت دراسة أصدرتها في مايو/أيار 2025 إلى أن وظيفة واحدة من كل أربع وظائف عالمياً معرضة بدرجات متفاوتة للذكاء الاصطناعي التوليدي، لكن 3.3% فقط من العمالة العالمية تقع ضمن أعلى فئات التعرض، مع ترجيح تحول طبيعة الوظائف بدلاً من اختفائها بالكامل. وتختلف هذه المنهجية عن تقديرات صندوق النقد الأوسع.
الاقتصادات الناشئة أمام فرصة أقل تكلفة
ويرى خبراء أسواق المال أن الاقتصادات الناشئة قد لا تحتاج إلى تكرار النموذج الأميركي القائم على ضخ مليارات الدولارات في بناء النماذج العملاقة ومراكز البيانات للاستفادة اقتصادياً من الذكاء الاصطناعي.
وأكد رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، وفق رويترز، أن المؤسسة تركز على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصغيرة التي لا تتطلب قدرات حوسبة ضخمة، ويمكن استخدامها لتحسين إنتاجية المزارعين والخدمات الصحية والتعليم.
وبحسب الخبراء يوفر هذا التوجه فرصة للدول الناشئة لتحقيق مكاسب إنتاجية عبر توظيف النماذج المتاحة في قطاعاتها القائمة، بدلاً من تحمل التكلفة الرأسمالية المرتفعة لتطوير البنية التحتية الأساسية، بشرط توافر الاتصال الرقمي والمهارات والبيانات المناسبة.