«أستطيع أن أبيع لك خمسين دولاراً أسترالياً.. لا يوجد لدي أي عملات أخرى».. كان هذا رد أحد العاملين في إحدى شركات الصرافة في شارع جامعة الدول العربية في محافظة الجيزة بمصر عندما سألته عن رغبتي في شراء درهم إماراتي أو دولار أميركي قبيل سفري إلى دبي لتغطية فعاليات كوب 28 .

تقع شركة الصرافة التي تبيع الدولارات الأسترالية في ميدان سفينكس في حي المهندسين، الذي يشهد وجوداً كثيفاً للسياحة الخليجية في القاهرة منذ ثمانينيات القرن الماضي، فإن لم تجد درهماً أو ريالاً أو دولارات في المهندسين فهذا يعني أنك لن تحصل على أي شيء قبل السفر.

تعرُّض المصريين لضغوط شديدة في الخارج بسبب صعوبة تدبير العملة

يرجع السبب لإيقاف البنك المركزي المصري في أكتوبر تشرين الأول السحب من بطاقات الخصم المباشر خارج مصر، وهو ما يعرّض المسافرين المصريين لضغوط كبيرة في توفير السيولة أثناء وجودهم خارج البلاد، وهو الأمر الذي أطلقنا عليه في «CNN الاقتصادية» سياسة صفر دولار.

ويتبنى المركزي المصري هذه السياسة بسبب الشح الشديد في الدولار الذي تعاني منه الدولة منذ نحو عامين بسبب الارتفاع الشديد في الدين الخارجي الذي وصل إلى 164.728 مليار دولار بنهاية يونيو حزيران الماضي، بحسب موقع وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية استناداً إلى حسابات البنك المركزي المصري.

موارد دولارية محدودة للدولة

وعلى الرغم من ارتفاع إيرادات السياحة، فإنها لا تسهم إلّا بنحو 2.85 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي وكذلك إيرادات قناة السويس التي وصلت إلى 9.4 مليار دولار في العام المالي الماضي أو ما يعادل 1.9 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر.

موارد مصر من الدولار الأميركي

كما أن استثمارات الدولة تظل محدودة وصادرات مصر غير البترولية تبلغ نحو 35 مليار دولار أي ما يشكّل أقل من ثمانية في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لمصر.

وتشهد تحويلات المصريين تراجعاً كبيراً منذ نحو عام ونصف أي منذ أن بدأت السوق الموازية بسط سيطرتها.

وتُظهر بيانات البنك المركزي المصري تراجع تحويلات المصريين المقيمين في الخارج في العام المالي 2022-2023، المنتهي في 30 يونيو حزيران إلى 22.1 مليار دولار مقابل 31.9 مليار دولار في العام المالي السابق.

ويأتي التراجع في التحويلات بسبب نشاط الكثير من شبكات تغيير العملة خارج مصر، فيلجأ الكثير من المصريين إلى هذه المنظومة للحصول على دولار المغتربين أو الدولار المصري قبل دخوله للبلاد، إذ أصبح شراؤه من السوق المحلية أمراً بالغ الصعوبة.

السوق الموازية تشتد صلابة

ويلجأ المصريون لدولار المغتربين لاستخدامه في الاستيراد دون المرور بالخزائن المصرية التي يفرض البنك المركزي المصري قيوداً قاسية وإجراءات تدريجية عليها بهدف الحد من نقص الورقة الخضراء.. فكل ورقة تحمل صورة جورج واشنطن تُباع في مصر بفارق يقترب من 20 جنيهاً فوق سعر الصرف الرسمي، أو نحو 35 في المئة.

وترجع اضطرابات سوق صرف الدولار في مصر بالأساس إلى ارتفاع فاتورة الدين وحلول آجاله، إذ تعمل مصر جاهدةً على الوفاء بالتزاماتها الدولية، ولم تتخلف مصر عن الوفاء بديونها في العصر الحديث.

ويبلغ حجم الديون المستحقة العام المقبل 29.229 مليار دولار، بحسب تقرير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري الصادر عن البنك المركزي المصري، وهو مبلغ كبير يفوق إيرادات السياحة وقناة السويس معاً.

وفي النهاية نجحتُ في الحصول على ألف درهم إماراتي عشية سفري، دبّرها لي أحد فروع البنك الأهلي، وذلك بعد إثباتها بما يشبه محضر على أحد صفحات جواز سفري الأخضر المصري.

سيتعين عليّ التريث عند إنفاقها للمشتريات البسيطة كجريدة الصباح أو ربطة خبز أو ما شابه من النفقات الصغيرة التي تطير من جيوبنا دون أن ندري متى وكيف.. وألف درهم إماراتي تساوي 272 دولاراً وبعض السنتات، قد تكفي هذه النفقات الصغيرة الضرورية، وتعني سياسة المركزي أنه لا مكان لعشّاق الموضة ومحبي الأجهزة الإلكترونية الذين سيتوجب عليهم كبح غرائز الشراء.