في عالم الطيران، كل قرار بإغلاق مجال جوي أو تحويل مسار رحلة ليس مجرد إجراء أمني أو سياسي؛ إنه في جوهره قرار اقتصادي تتداعى تبعاته بسرعة البرق عبر شبكة معقدة من الفائزين والخاسرين.
وما جرى في الأشهر الأخيرة إثر التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً الضربات الأميركية والإسرائيلية المرتبطة بالحرب على إيران في فبراير 2026، كشف بجلاء كيف أن الأجواء باتت ساحة منافسة اقتصادية حادة لا تقل أهمية عن أسواق النفط والغاز.
حين أُغلق المجال الجوي الإيراني والعراقي أمام الملاحة التجارية، وجدت شركات الطيران الكبرى نفسها مجبرة على إعادة رسم مسارات رحلاتها بين آسيا وأوروبا، ومعها أموال طائلة بدأت تتدفق نحو دول كانت في معظمها خارج المعادلة.
رسوم العبور الجوي (Overflight Fees) هي الرسوم التي تتقاضاها كل دولة عن كل طائرة تعبر مجالها الجوي دون هبوط.
تُدار هذه الرسوم من قِبَل هيئات الملاحة الجوية الوطنية وفق إطار اتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي 1944، التي تُجيز بموجب مادتها الخامسة عشرة فرض رسوم مقابل خدمات الملاحة الجوية كمراقبة الحركة الجوية وأنظمة الرادار والاتصالات.
يعتمد الإطار العام في الاحتساب على ثلاثة عناصر: وزن الطائرة (الحمولة القصوى عند الإقلاع MTOW)، والمسافة المقطوعة داخل المجال الجوي للدولة، وسعر الوحدة المحلي الذي تحدده هيئة الطيران في كل دولة.
غير أن الصورة ليست موحّدة: بعض الدول كسوريا تعتمد رسماً ثابتاً بصرف النظر عن حجم الطائرة أو المسافة، بينما تعتمد دول كالمملكة العربية السعودية والإمارات معادلات مرتبطة بالوزن والمسافة.
أما روسيا فاستخدمت نظام إتاوات خاصاً لخطوط الرحلات العابرة لسيبيريا استمر لعقود.
الحالة السورية هي الأكثر إثارة في هذا الملف: فطوال 14 عاماً من الحرب الأهلية، كانت تواجه شركات الطيران الدولية مصاعب في المرور عبر المجال الجوي السوري.
ولكن بعد سقوط نظام بشار الأسد في أواخر 2024 وإعادة فتح المجال الجوي تدريجياً، والأهم إغلاق المجالات الجوية للعراق وإيران نتيجة الضربات العسكرية منذ فبراير 2026، وجدت الطائرات المتجهة من منطقة الشرق الأوسط إلى أوروبا أن الأجواء السورية باتت الممر الأقصر والأكثر أماناً.
الأرقام لافتة: سجّل المجال الجوي السوري نحو 11,801 عبور في مايو 2026 وحده، أي أكثر من ضِعف ما سُجّل في فبراير 2026 (4,267 رحلة)، وبارتفاع يبلغ 375% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2025.
وقد رفعت الحكومة السورية الجديدة رسوم العبور لتبلغ 499 دولاراً للرحلة الواحدة (430 دولاراً رسوم أساسية + 69 دولاراً رسوم اتصالات) بصرف النظر عن نوع الطائرة، وفق حسابات رويترز.
حققت تركيا مستوى قياسياً في إيرادات المجال الجوي العام الماضي، إذ بلغت نحو 33 مليار ليرة تركية (ما يعادل 727.7 مليون دولار)، وذلك بارتفاع نسبته 53% مقارنة بـ21.59 مليار ليرة سُجّلت في عام 2024.
وكان عام 2024 قد شهد بدوره رقماً قياسياً بلغ 24.8 مليار ليرة (694 مليون دولار)، مع تجاوز إجمالي حركة الطيران في المجال الجوي التركي -بما فيها العبور- حاجز 2.29 مليون رحلة.
وقد كان إغلاق روسيا مجالها الجوي أمام الغرب بعد 2022 من أبرز العوامل التي أضافت إلى أجوائها حصة كبيرة من حركة الطيران الدولية.
سجّلت مصر ارتفاعاً في إيرادات العبور الجوي مع إعادة توجيه شركات الطيران رحلاتها عبر مجالها الجوي، بمكاسب يومية تُقدَّر بنحو 137,000 دولار.
وتجمع مصر خصوصية فريدة؛ فموقعها عند ملتقى الرحلات الأوروبية-الآسيوية من جهة، والرحلات الإقليمية المرتبطة بشبه الجزيرة العربية وإفريقيا من جهة أخرى، يجعلها مستفيدة في كل مرة تُعيد فيها شركات الطيران تشكيل مساراتها.
وتُدير مصر رسوم الملاحة الجوية من خلال الشركة المصرية للملاحة الجوية، وهي عضو في منظومة يوروكنترول التي تتولى جمع الرسوم نيابة عنها.
كانت إيران حتى وقت قريب واحدة من أكثر دول العالم ربحاً من رسوم المجال الجوي، مستفيدةً من موقعها الاستراتيجي على ممر أوروبا-آسيا، وما أتاحه إغلاق المجال الجوي العراقي والسوري خلال فترة تنظيم داعش من تحويل مئات الرحلات نحو أجوائها.
كانت الإيرادات السنوية تبلغ قرابة 800 مليون دولار، من نحو 1,200-1,400 رحلة يومية بمتوسط رسوم يتراوح بين 800 و2,200 دولار للرحلة الواحدة.
أما اليوم، فإن إغلاق إيران لمجالها الجوي ومنع شركات الطيران الدولية من استخدامه يُكلّفها ما يقدّر بـ2.2 مليون دولار يومياً في إيرادات ضائعة، وفق بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي IATA.
لعقود طويلة، مثّل المجال الجوي الروسي فوق سيبيريا «الذهب الأزرق» الذي يتيح لشركات الطيران الأوروبية الاختصار بما يصل إلى أربع ساعات طيران في رحلاتها من أوروبا إلى آسيا.
وقد دفعت هذه الشركات إتاوات باهظة للاستفادة من هذا الممر، وصلت إجمالاً إلى 1.7 مليار دولار سنوياً قبل عام 2022.
لكن مع اندلاع الحرب على أوكرانيا، قاطعت شركات الطيران الغربية المجال الجوي الروسي كلياً، فجفّ هذا المورد الضخم دفعةً واحدة.
ورغم أن روسيا رفعت رسومها 20% لتعويض الفاقد من الحجم، فإن هذا الإجراء لم يُعوّض سوى جزء ضئيل من الخسارة.