تشهد قارة إفريقيا ارتفاعاً مطّرداً في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إليها مع توقعات بأن تستثمر هذه التدفقات وتحديداً من الدول الخليجية وأبرزهم الإمارات. وتشير بيانات الأونكتاد وصندوق النقد الدولي إلى أن المستثمرين الأجانب زادوا استثماراتهم داخل القارة السمراء خلال السنوات الماضية، وستستمر هذه الزيادات مع نمو حجم الأموال المتاحة عالمياً للاستثمار الأجنبي المباشر واتخاذ الحكومات الإفريقية خطوات فعلية لجعل بلدانها أكثر جاذبية للاستثمار.
ويقول فرانسوا كونرادي، كبير الخبراء الاقتصاديين السياسيين بمعهد أكسفورد إيكونوميكس إفريقيا، لـCNN الاقتصادية، إن نمو
الاستثمار في إفريقيا يعد أمراً إيجابياً، وقد جاء مدفوعاً بعدة عوامل من بينها التحسينات التي أدخلتها الحكومات الإفريقية على بيئة الأعمال والتي أسهمت في تسهيل الاستثمار.
حجم الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إفريقيا
استقطبت إفريقيا استثمارات أجنبية مباشرة في 2025 بنحو 70 مليار دولار، وعلى الرغم من أن هذا الرقم يعد أقل من المسجل في 2024، فإنه يعد ثالث أعلى مستوى منذ عام 1990، وفقاً لآخر بيانات للأونكتاد.
ويقول كونرادي إنه يجب أن نضع في الاعتبار أن عام 2024 كان مدفوعاً بصفقة رأس الحكمة في مصر، التي بلغت قيمتها 35 مليار دولار، لذا عند استبعاد الاستثمارات الاستثنائية من هذا النوع، يعد رقماً قوياً للغاية.
وبحسب الأونكتاد، فإن المستثمرين يواصلون الاستثمار في قطاعات إفريقية تزداد أهميتها للاقتصاد العالمي.
من أين تأتي الاستثمارات إلى إفريقيا؟
اعتادت إفريقيا تلقي الاستثمارات من كيانات اقتصادية كبرى مثل أميركا وأوروبا، لكن مؤخراً برزت الصين ودول الخليج مصادر رئيسية للاستثمار في القارة.
ويقول تقرير الأونكتاد عن توجهات الاستثمار الأجنبي المباشر في القارة في 2026، إن المستثمرين من دول الخليج والاقتصادات الآسيوية الأخرى أصبحوا مصادر مهمة للاستثمار في المشاريع الجديدة، وخاصة في مجالات الطاقة والخدمات اللوجستية والعقارات والبنية التحتية.
وبحسب كبير الخبراء الاقتصاديين السياسيين بمعهد أكسفورد إيكونوميكس إفريقيا، فإن من ضمن أكبر الدول المستثمرة في إفريقيا الصين، ثم تأتي دول الخليج بقوة متزايدة، إذ تنمو حصتها من إجمالي الاستثمارات بسرعة كبيرة وتحديداً الإمارات.
وتشير بيانات لصندوق النقد الدولي جمعتها CNN الاقتصادية عن توزيع المستثمرين المباشرين في إفريقيا وفقاً لآخر بيانات متاحة عن 2024 إلى أن أميركا تتصدر الدول المستثمرة في القارة تليها بريطانيا والهند وهولندا والإمارات.
استثمارات الإمارات تبرز في إفريقيا
ويقول كبير الخبراء الاقتصاديين السياسيين بمعهد أكسفورد إيكونوميكس إفريقيا: "شهدنا تزايد أهمية
الإمارات كمستثمر في إفريقيا، والسبب ببساطة هو أنها لديها صناديق ثروة سيادية ضخمة تحتاج إلى إيجاد قنوات لاستثمار هذه الأموال، وتمثل إفريقيا فرصة استثمارية طويلة الأجل ومثيرة للاهتمام بشكل خاص بسبب التركيبة السكانية".
وفي الوقت الذي تواجه فيه كل المناطق الأخرى في العالم احتمالات التراجع السكاني، وتشعر بالقلق من انخفاض معدلات المواليد، لا ينطبق الأمر نفسه على إفريقيا، التي تشير البيانات إلى ارتفاع حصتها من إجمالي سكان العالم خلال السنوات المقبلة.
ويقول كونرادي: «كلما زاد عدد السكان، زادت الأسواق والفرص التجارية في إفريقيا، ومعظم الاستثمارات في القارة تستفيد من هذا النمو السكاني».
أبرز القطاعات الجاذبة للاستثمار في إفريقيا
تجذب قطاعات الطاقة والبنية التحتية والمعادن الحيوية الاستثمارات، لكن الفوائد لا تزال مركزة في عدد محدود من البلدان والقطاعات.
يظل قطاعا الطاقة والتعدين هما القطاعين الرئيسيين الجاذبين للاستثمارات في إفريقيا، وشهدنا أيضاً استثمارات في قطاع الصناعات الكيميائية، التي تمثلت بشكل أساسي في الأسمدة، بحسب كونرادي.
ويضيف أنه على الرغم من أن قطاع التصنيع لا يزال يمثل حصة صغيرة من الاستثمارات، فإنه قطاع مهم ومثير للاهتمام خاصة في مصر والمغرب، لأنه يوفر وظائف ذات أجور مرتفعة، وهو ما تحتاج إليه القارة.
أهمية زيادة الاستثمارات في إفريقيا
تتمثل الفائدة الرئيسية للمشروعات في إفريقيا في توفير فرص العمل، ولهذا السبب تحرص حكومات القارة دائماً على إبراز عدد الوظائف التي يوفرها كل مشروع.
وبحسب كونرادي، فإن هناك تأثيرات أخرى لهذه الاستثمارات على الاقتصاد الكلي، إذ إن تدفق الأموال إلى البلاد يسهم في زيادة احتياطياتها من النقد الأجنبي، وهذا يقلل مخاطر حدوث أزمة في ميزان المدفوعات، أو عدم قدرة البلاد على توفير العملات الأجنبية اللازمة لشراء الواردات وهو ما يمثل فائدة مهمة.
كما تنظر الحكومات إلى التأثير المالي المتوقع لهذه الاستثمارات، فالشركات الجديدة التي تؤسس أو الشركات القائمة التي تتوسع في حجم أعمالها، يمكنها دفع المزيد من الضرائب، وهو ما يعود على المالية العامة للحكومة.
مستقبل الاستثمار في إفريقيا
بالنسبة للعديد من الاقتصادات الإفريقية، فإن جذب الاستثمار ليس سوى نقطة البداية، ويكمن الهدف الأكبر في الاستفادة بشكل أكبر من القيمة المضافة من خلال هذه الاستثمارات، وذلك عبر عمليات التصنيع والمعالجة والخدمات، وتعزيز سلاسل التوريد الإقليمية، بحسب الأونكتاد.
ويتوقع كبير الخبراء الاقتصاديين السياسيين بمعهد أكسفورد إيكونوميكس إفريقيا استمرار نمو تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلى إفريقيا في السنوات المقبلة، وذلك لسببين رئيسيين.
ويضيف أن حجم الأموال المتاحة عالمياً للاستثمار الأجنبي المباشر يواصل النمو، لذا سيكون لإفريقيا حصة من هذه الأموال، أما السبب الثاني فهو أن الحكومة الإفريقية تتخذ المزيد من الخطوات الفعلية لجعل بلدانها أكثر جاذبية للاستثمار، وهذه السياسات تؤتي ثمارها.
ويتوقع كونرادي أن تستمر الإمارات في تحقيق حضور قوي داخل القارة الإفريقية من خلال زيادة استثماراتها خاصة مع ارتفاع أسعار النفط وزيادة السيولة المتاحة للمستثمرين.
كما يتوقع أن تظل الصين لاعباً رئيسياً في القارة، ويقول إن منطق الاستثمار الصيني في إفريقيا يقوم أولاً على ضمان إمدادات المعادن، لكن هناك أيضاً بُعداً مرتبطاً بالتصنيع، فقد أدركت الشركات الصينية خلال جائحة كورونا مدى هشاشة سلاسل الإمداد الطويلة، ومدى تعرضها للاضطرابات.
وسعت الصين منذ ذلك الوقت إلى التوجه نحو إقامة منشآت التصنيع في إفريقيا لتكون أقرب إلى الأسواق الأوروبية، لذا يتركز جزء كبير من الاستثمارات الصينية في شمال إفريقيا، ولا سيما في المغرب ومصر.