في إشارة إلى التغيرات الكبيرة التي شهدها المشهد الاقتصادي خلال السنوات الخمس الماضية، أعلن رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، يوم الجمعة عن إطار تشغيلي محدث للبنك يعكس عودة ضغوط التضخم المرتفعة وتراجع احتمالية العودة إلى أسعار الفائدة القصيرة الأجل القريبة من الصفر. وأثناء إعلانه عن هذه التغييرات في خطاب ألقاه في ندوة جاكسون هول الاقتصادية بولاية وايومنغ، قال باول: «ما زلنا نعتقد أن السياسة النقدية يجب أن تكون استشرافية للمستقبل، وأن تأخذ في الاعتبار التأخيرات في تأثيرها على الاقتصاد».
وأشار إلى أن على الاحتياطي الفيدرالي أن يوازن بين المخاطر التي تهدد هدفيه في التوظيف والتضخم عند تحديد السياسة النقدية، وأكد أن «تحديد أهداف رقمية لأشياء مثل المستوى المثالي للتوظيف أمر غير حكيم».
ويبتعد الإطار التشغيلي الجديد عن التحدي الدائم الذي واجه السياسة النقدية والمتمثل في الاضطرار للعمل ضمن بيئة أسعار فائدة منخفضة جداً، بسبب فترة طويلة من انخفاض التضخم مقارنة بهدف الفيدرالي البالغ 2%، وهو ما شكّل أساس مراجعة السياسة في عام 2020.
وأوضح باول أنه في الإطار الجديد «قمنا بحذف اللغة التي تتعلق ببيئة أسعار الفائدة المنخفضة» و«عدنا إلى إطار استهداف تضخم مرن وألغينا استراتيجية التعويض التي كانت واردة في إطار 2020»، وهو آخر تحديث شامل لمبادئ عمل البنك.
وتابع باول: «بياننا المعدّل يؤكد التزامنا بالتحرك بقوة لضمان بقاء توقعات التضخم على المدى الطويل راسخة، لما فيه مصلحة جانبي مهمتنا المزدوجة».
وكانت مراجعة مبادئ عمل البنك المركزي متوقعة على نطاق واسع، حيث أشارت محاضر اجتماع السياسة النقدية للبنك في 29-30 يوليو تموز، والتي نُشرت يوم الأربعاء، إلى أن التحديث «سيتم تصميمه ليكون مرناً عبر مجموعة واسعة من الظروف الاقتصادية».
وكان ذلك إشارة إلى أن النسخة السابقة من الإطار سرعان ما تجاوزتها أحداث جائحة كورونا، فقد نصت الأجندة حينها على أن الفيدرالي سيسمح بتجاوز معدل التضخم لهدف 2% تعويضاً عن الفترات التي كان فيها التضخم دون الهدف.
وقال باول إنه بموجب المبادئ الجديدة «نأخذ في الاعتبار مدى الانحرافات عن أهدافنا، والآفاق الزمنية المختلفة التي قد يستغرقها كل جانب للعودة إلى مستوى يتماشى مع مهمتنا المزدوجة».
وقد تم اعتماد الإطار السابق في سياق كان فيه الاحتياطي الفيدرالي يتعامل مع فترة طويلة من ضغوط التضخم الضعيفة للغاية، ما أدى بدوره إلى فترة ممتدة من أسعار الفائدة القصيرة الأجل المنخفضة جداً، وقد عقدت هذه المعدلات المنخفضة من قدرة الفيدرالي على الاستجابة للصدمات الاقتصادية.
ثم جاءت الجائحة في ربيع 2020، ما دفع الفيدرالي والحكومة الأميركية إلى إطلاق جولة ضخمة من التحفيز المالي والنقدي، وسرعان ما أدت إلى بعض من أعلى ضغوط التضخم التي شهدتها الولايات المتحدة منذ عقود، وهذا ما وضع الفيدرالي بسرعة على مسار سياسي لم يكن يتماشى كثيراً مع أهداف إطار 2020.
وقد بدأت موجة التضخم هذه في عام 2021، ما دفع الفيدرالي إلى رفع معدلات الفائدة بشكل حاد، ومع أن هذه الضغوط التضخمية قد تراجعت إلى حد كبير، فإن البنك المركزي تمكّن من خفض هدف سعر الفائدة، ليصبح الآن في نطاق 4.25-4.5%.
ويتوقع العديد من المستثمرين أن يتمكن الفيدرالي من خفض أسعار الفائدة في سبتمبر، على الرغم من أن بعض المسؤولين في البنك أشاروا يوم الخميس إلى أن التهديدات التضخمية المرتبطة بالتعريفات الجمركية قد تدفعهم إلى التريث.
لكن القليل يتوقع عودة الفيدرالي إلى مستويات الفائدة المنخفضة التي كانت سائدة قبل الجائحة، في ظل التغيرات الهيكلية في الاقتصاد والزيادات الكبيرة في الاقتراض الحكومي، والتي ترفع مجتمعة المستوى طويل الأجل لأسعار الفائدة قصيرة الأجل.