الفيدرالي الأميركي.. أعلى سلطة نقدية في العالم على المحك

الفيدرالي الأميركي أمام مفترق طرق (أ ف ب)
الفيدرالي الأميركي.. أعلى سلطة نقدية في العالم على المحك
الفيدرالي الأميركي أمام مفترق طرق (أ ف ب)

سيدُق الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مسماراً ولو صغيراً في نعش استقلالية الفيدرالي الأميركي إذ نفذ قراره بإقالة عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي ليزا كوك بدعوى مخالفات في الحصول على قروض عقارية.

ويقول محللون تحدثوا مع CNN الاقتصادية إن هذا القرار سيثير حالة من عدم اليقين في الأسواق بشأن استقلالية الفيدرالي الأميركي وتوجيهاته المستقبلية، ويعد تطوراً ملحوظاً في العلاقة المتوترة أصلاً بين الرئيس والفيدرالي.

وستعد إقالة ليزا كوك خطوة غير مسبوقة إذ قد تختبر حدود سلطة الرئيس الأميركي على مؤسسة النقد المستقلة، خاصة أنها عينت المحامي البارز آبي لويل للطعن في قرار فصلها المزعوم قائلة: «لن أستقيل، لأنه ليس لديه صلاحية القيام بذلك».

وفي كلاسيكيات الاقتصاد العالمي لا يحبذ تدخل رئيس الجمهورية في عمل البنك المركزي للدولة، إذ إن التدخل يعني أن البنك غير مستقل عن إدارة الدولة ولا يتخذ قراراته وفقاً لرؤيته الاقتصادية ولكن بتأثير من أحد.

ومنذ قدوم ترامب إلى سدة الحكم، دخل في صراع كبير مع رئيس الفيدرالي الأميركي، جيروم باول، بسبب رغبة ترامب في خفض سريع لأسعار الفائدة، لكن باول يصر على التمهل وإعطاء فرصة أكبر للبيانات الاقتصادية قبل اتخاذ القرار.

وهدد ترامب، باول أكثر من مرة بإقالته كما طالبه مراراً بالاستقالة، لكن رئيس الفيدرالي لم يلتفت لهذه المطالبات.

استقلالية الفيدرالي أمام مفترق طرق

يُثير هذا التطور حالة من عدم اليقين في الأسواق بشأن استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، وتوجيهاته المستقبلية، وسياسة أسعار الفائدة، حسب ما يقول شارل هنري مونشو، رئيس قسم الاستثمار في مجموعة SYZ السويسرية، لـCNN الاقتصادية.

يقول رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي، أحمد عزام، لـCNN الاقتصادية «حتى يُفصل في نزاع ترامب وكوك يبقى مبدأ استقلال الفيدرالي مصاناً بالنص لكنه مهتز إدراكياً في نظر المستثمرين».

ويضيف أن التحرك الحالي يُنظر إليه كتصعيد لتأثير البيت الأبيض على تشكيل مجلس لجنة السياسة النقدية في الفيدرالي مستقبلاً، ما يغيّر توقعات التحيّز داخل لجنة السوق المفتوحة حتى قبل أي تغييرات فعلية في الأصوات.

وبحسب عزام فإن المغزى الفعلي لهذا القرار سيكون سابقة تغيّر حسابات السوق عن مدى صمود الفيدرالي أمام الضغط السياسي، مشيراً إلى أن التحركات الأولية للسوق تظهر ضغوطاً على الدولار وتذبذباً في عائدات الخزانة مع نقاش متجدد حول خفض في سبتمبر أيلول 2025.

وفي رد فعل سريع على قرار ترامب ارتفعت العوائد على السندات الأميركية الطويلة الأجل، بينما انخفضت عوائد السندات القصيرة الأجل، وهي إشارة لتوقعات بخفض أسعار الفائدة لكن مع تهديد لمصداقية سياسة مكافحة التضخم، حسب ما نقلت رويترز.

كما ارتفع سعر الذهب في التعاملات الفورية مسجلاً أعلى مستوى له في أسبوعين على وقع قرار إقالة كوك، بينما تشير أداة فيد ووتش إلى تغير طفيف في التوقعات بشأن خفض الفائدة بواقع 25 نقطة أساس، إذ انخفضت احتمالية خفض الفائدة من 86% إلى 83% خلال أسبوع مقارنة بما يتجاوز 90% منذ أسبوعين.

ويقول كبير محللي الأسواق في شركة إكس تي بي، هاني أبو عاقلة إنه «يبدو أن ترامب يضغط بشدة على الفيدرالي الأميركي لخفض الفائدة، لكي يمتص جزءاً مما تستخلفه قراراته بشأن الرسوم الأميركية من ضغوط تضخمية وخفض الوظائف».

يتوقع أبو عاقلة أن تحدث إقالة ليزا كوك جدلاً قانونياً كبيراً في أميركا، لكن الفيدرالي لن يتراجع عن استقلاليته ولن يرضخ للضغوط السياسية.

الأسواق تنتظر إعادة تشكيل الفيدرالي

يبدو قرار ترامب محاولة منه لإعادة تشكيل الفيدرالي الأميركي مع زيادة نفوذه داخل المجلس إذ ستمنحه الإقالة فرصة لتعيين عضو رابع في المجلس المؤلف من 7 أعضاء.

وبحسب كبير محللي الأسواق في شركة إكس تي بي فإن ترامب لديه الآن 3 أعضاء في الفيدرالي ويمكن أن يؤثر عليهم ليكونوا موالين لخفض الفائدة السريع.

«يمر مجلس الاحتياطي الفيدرالي بمرحلة انتقالية، ويتأثر بشكل متزايد بقرارات ترامب فإذا صمد قرار إقالة كوك وانتهت ولاية باول، يمكن لترامب تعيين ما يصل إلى خمسة من حكام الولايات السبعة، ما يضمن أغلبية دائمة لكل قراراته»، حسب ما يقول رئيس قسم الاستثمار في مجموعة SYZ السويسرية.

ويضيف أنه إذ سارع ترامب بتعيين مرشحين يُفضّلون سياسة نقدية أكثر مرونة، فقد يرتفع احتمال إجراء تخفيضات مبكرة وأكثر حدة في أسعار الفائدة بشكل ملموس، على الرغم من أن التحديات القانونية المحتملة والضغوط السياسية قد تُخفف من هذه التوقعات.

ويرى رئيس الأبحاث في مجموعة إكويتي أن إقالة كوك قد تُستخدم لإعادة تشكيل المجلس بمرور الوقت، وهو ما قد يُضعف مصداقية مكافحة التضخم إذا قرأه السوق كتغلّب للسياسة على توجهات الفيدرالي.

ويضيف أن هشاشية استقلالية الفيدرالي الأميركي والخوف المحيط قد يضع المزيد من الضغوطات السلبية على الدولار الأميركي في الفترة القادمة، خاصة مع ارتفاع المخاطر الأساسية، وقد يزيد تمركز المستثمرين في الذهب في الفترة القادمة خاصة مع اختراق مستويات 3390 دولاراً للأونصة، والتي قد تفتح المجال لمزيد من الارتفاعات نحو مستويات 3450 كاختبار لمستويات المقاومة مرة أخرى.