لقد مرّ مَن يُسمَّون بمستثمري القيمة بعقدٍ قاسٍ، متجنبين ما يرونه أسهماً أميركية مبالغاً في قيمتها، وإن كانت متفوقة في أدائها، مُضيّعين الفرصة. ولكن باستثناء حفنة من شركات وول ستريت العملاقة ذات القيمة السوقية العالية، يُصرّ بعضهم على أن قوة
الدولار لعبت دوراً كبيراً في هذا، وأن أداء الشركات الأميركية الأخرى لم يكن «استثنائياً».
لقد مررنا بهذا الموقف مراتٍ عديدة في السنوات الأخيرة، حيث شعرنا بالقلق إزاء «التركيز المفرط» للأداء العام لوول ستريت في مجموعة ضيقة من الشركات الرائدة، فقط لنجد الصناديق التي تُعاني من انخفاض الوزن الاستثماري تُعاني من مكاسب مُستمرة في المؤشرات بغض النظر عن ذلك.
يُعتقد الكثير منهم أن المكاسب والتقييمات النسبية الباهظة لمؤشرات الولايات المتحدة غير مُبررة وغير مُستدامة عند أقصى مستوياتها التاريخية.
لكن مستثمري المؤشرات السلبية لا يُبالون كثيراً بأن الأداء يُعزى إلى عدد قليل من شركات التكنولوجيا العملاقة التي تُمثل الآن ما يقرب من ثلث القيمة السوقية الإجمالية لمؤشر ستاندرد آند بورز 500.
تحدي استدامة مكاسب التكنولوجيا
ورغم التذبذب الوجيز في سوق التكنولوجيا الأسبوع الماضي، تُسجل المؤشرات الأميركية أرقاماً قياسية جديدة، حيث تُحقق شركات التكنولوجيا العملاقة المُزودة بالذكاء الاصطناعي تقييماتٍ فاقت التوقعات بأكثر من 30 ضعفاً.
بالنسبة لمستثمري «القيمة» الذين شعروا ببوادر خير خلال اضطرابات أبريل نيسان، فإن الألم لن يزول، ومع ذلك، تعود التساؤلات حول عوائد الأعمال العادية للشركات الـ490 الأخرى مراراً وتكراراً.
على الرغم من عودة مؤشرات وول ستريت إلى مستوياتها القياسية، إلا أنها، على غير العادة، تخلفت عن نظيراتها في الخارج طوال العام.
إن مكاسب مؤشر ستاندرد آند بورز 500 البالغة 10% حتى الآن تُمثل أقل من نصف مكاسب مؤشر مورغان ستانلي كابيتال إنترناشونال لجميع الدول، وثلث مكاسب أسهم منطقة اليورو بالدولار، ونحو ربع مكاسب مؤشر داكس الألماني بالدولار.
ضعف الدولار وأثره على الأداء
ويُعتبر تراجع الدولار في عام 2025 السبب الرئيسي وراء هذا الأداء الضعيف بعد سنوات من المكاسب المتواصلة.
لكنّ هناك شعوراً بأنه إذا كان ضعف الدولار أحد الأهداف غير المعلنة لسياسات الرئيس دونالد ترامب لإعادة التوازن التجاري والصناعي، فقد ينتهي به الأمر إلى تحدي الافتراضات الراسخة حول أداء الأسهم الأميركية «الأقل من رائع» مستقبلاً.
تُعدّ شركة جي إم أو، ومقرها بوسطن، من أبرز الشركات الرائدة في عالم استثمار القيمة، ويُحسب لها أنها أقرّت علناً منذ فترة طويلة بتقصير نهجها لفترة طويلة جداً.
ولكن بدلاً من الاستسلام، يرى فريق توزيع الأصول في رسالته الفصلية الأسبوع الماضي أن الوضع لا يزال قائماً إذا استثنينا الشركات الكبرى «الستة الكبار»، وهي إعادة صياغة لتصنيف شركات التكنولوجيا الرائجة «السبعة الكبار» الذي هيمن على التفكير خلال العامين الماضيين بعد استبعاد شركة تسلا المتعثرة.
كتب بن إنكر وجون بيز من جي إم أو: «إن التراجع عن قرار المرء لمجرد خطأ سابق هو طريقة خبيثة لاتخاذ القرارات» الاستثمارات التي تُبنى على الندم غالباً ما تكون نتائجها سيئة.
يُقرّ إنكر وبيز بالقوة الأساسية وراء الشركات «الستة الكبار»، ومع ذلك -ومثل كثيرين- يتساءلان عن المدة التي يُمكن أن يُحقق فيها الذكاء الاصطناعي نفس العائدات لهذه الشركات، نظراً للتغييرات في ميزانياتها العمومية التي تشهد استثمارات ضخمة في البنية التحتية، مثل مراكز البيانات.
لكن يُركز تحليلهما على مصادر الأداء المُتفوق لمؤشر ستاندر آند بورز 500 الأوسع مقارنةً ببقية أسهم العالم على مدار الأعوام الخمسة عشر الماضية.
وخلصا إلى أن نحو 80% من تلك المكاسب الزائدة مقارنةً بمؤشر مورغان ستانلي العالمي الذي يستثني الأسهم الأميركية جاءت من عوائد من غير المُرجّح تكرارها.
نقص في الأساسيات
في حين أن مصادر العائد غير المرتبطة بالتقييم -من النمو العضوي وعمليات إعادة الشراء وتوزيعات الأرباح- لا تزال تُحقق أداءً أفضل من نظيراتها في الخارج، تُشير جي إم أو إلى أن مُعظم هذا الأداء المُتفوق حدث قبل عام 2015، وتركز مرة أخرى في عدد قليل من الشركات ذات القيمة السوقية الضخمة.
بدءاً من عام 2019 فصاعداً، يقترب الأداء الأساسي من الصفر، كما تقول الشركة، وبالنظر إلى استمرار أداء الشركات الكبرى ذات القيمة السوقية الكبيرة، فإن ذلك يثير تساؤلات كبيرة حول ما كان يحدث مع بقية الشركات.
بلغ متوسط العائد الأساسي لسهم في مؤشر ستاندرد آند بورز 500 (باستثناء الشركات المالية) على مدى السنوات الخمس المنتهية في ديسمبر 2024 نسبة 4.0% سنوياً، وفقاً لحساباتهم، وكانت هذه النتيجة أقل من أي زيادة أخرى على مدار خمس سنوات منذ منتصف الثمانينيات.
وخلال الفترة نفسها، بلغ متوسط العائد الأساسي لمؤشر مورغان ستانلي كابيتال إنترناشونال (باستثناء الولايات المتحدة) 6.1%.
تواجه معظم الشركات الأميركية ثلاثة تحديات كبيرة: ارتفاع الرسوم الجمركية، ومشكلات في إمدادات العمالة نتيجة حملة قمع الهجرة، وتزايد عدم اليقين بشأن السياسات عند التخطيط للمستقبل.
تُشكل هذه العوامل، إلى جانب الخسائر المحتملة في قيمة الدولار، دافعاً قوياً للمستثمرين لإعادة موازنة محافظهم الاستثمارية من الأسهم الأميركية باهظة الثمن إلى الأسهم الأجنبية الأرخص.
من المحاذير أن ضعف الدولار يُساعد مُصدّري السلع الأميركيين الذين يعتمدون على قاعدة تصنيع محلية، لكن شركة جي إم أو تُشير إلى أن هذا ليس وصفاً لمعظم شركات ستاندرد آند بورز 500، قد تتحسن الإيرادات الخارجية أيضاً بالدولار، ولكن ليس بقدر تحسن الاستثمار في الشركات الخارجية مباشرةً.
(رويترز)