اقتصاد بريطانيا في خطر.. نمو متوقف وتضخم خارج السيطرة وسوق عمل على المحك

الاقتصاد البريطاني محاصر بالمخاطر قبل اجتماع بنك إنجلترا (شترستوك)
الاقتصاد البريطاني محاصر بالمخاطر قبل اجتماع بنك إنجلترا
الاقتصاد البريطاني محاصر بالمخاطر قبل اجتماع بنك إنجلترا (شترستوك)

بينما يترقب البريطانيون قرار بنك إنجلترا بشأن أسعار الفائدة هذا الأسبوع، تتكشف صورة قاتمة لاقتصاد المملكة المتحدة وسط نمو شبه متوقف، وتضخم أعلى من المستهدف، وأسواق عمل بدأت تفقد زخمها. ومع ذلك تبقى الآمال والتساؤلات حول استطاعة البنك المركزي كبح التضخم من دون دفع الاقتصاد نحو ركود أعمق.

تباطؤ النشاط الاقتصادي

تكشف البيانات الأخيرة عن تباطؤ عام، فقد سجل الاقتصاد البريطاني نموّاً بنسبة 0.2% فقط في الأشهر الثلاثة حتى يوليو تموز 2025 مقابل 0.3% في الربع السابق و0.6% في مايو أيار، بينما اتسع عجز تجارة السلع إلى أعلى مستوياته منذ يناير كانون الثاني 2022.

تشير البيانات إلى أن نشاط بريطانيا الاقتصادي بدأ يخبو، ففي بيانات يوليو تموز، ظل الناتج المحلي الإجمالي بلا تغيير على أساس شهري، في حين انخفض الإنتاج الصناعي بنسبة 1.3%.

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي في يوليو تموز ارتفاعاً 1.4% مقارنة بالعام السابق، وهو معدل النمو السنوي نفسه في يونيو حزيران، لكنه أقل قليلاً من توقعات استطلاع رويترز التي أشارت إلى نمو 1.5%.

ويتوقع الاقتصاديون تباطؤ النمو في النصف الثاني من العام، مع تأثير الرسوم الجمركية على الطلب العالمي وضعف سوق العمل البريطاني.

وحذّر محللون من أن إنفاق المستهلكين لا يزال ضعيفاً، ونمو الاستثمارات غير قوي، ما يجعل وتيرة النمو المستقبلية خجولة ومهددة بتباطؤ إضافي.

وقبل صدور بيانات الربع الثاني، توقع بنك إنجلترا نمواً سنوياً بنسبة 1.25% لهذا العام، وهو أقل بكثير من متوسط 2% خلال الفترة بين 2010 و2019.

وقالت وزيرة المالية راشيل ريفز يوم الخميس إن الاقتصاد البريطاني ليس مكسوراً، لكنه يشعر بالركود.

وأضافت أنها تأمل أن تؤدي الإجراءات الداعمة للنمو، قبيل ميزانيتها السنوية في 26 نوفمبر أيلول، إلى تقييم أكثر إيجابية لآفاق الاقتصاد البريطاني من قبل مكتب مسؤولية الميزانية.

ضغوط تمويلية وتضخم مرتفع وأسواق عمل متأرجحة

إلى جانب تباطؤ النمو، تواجه بريطانيا عبئاً ثقيلاً يتمثل في ارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي. فقد باعت لندن سندات لأجل عشر سنوات بقيمة 18.9 مليار دولار في مطلع سبتمبر أيلول، مسجلة أعلى عائد منذ عام 2008، وسط طلبات شراء ضخمة تجاوزت 141 مليار جنيه.

بعد يومين فقط، أصدرت الحكومة سندات مرتبطة بالتضخم لأجل 20 عاماً بعائد حقيقي بلغ 2.4%، وهو الأعلى منذ 2001.

لا تعكس هذه القفزات في العوائد الثقة، بقدر ما تعكس مخاوف المستثمرين من عجز مالي متصاعد وضغوط اقتصادية طويلة الأجل، إذ تعني فعلياً أن خدمة الدين العام باتت أكثر تكلفة بشكل يضغط على المالية العامة، فارتفاع العوائد يعكس تراجع ثقة المستثمرين ويعني ضغوط إضافية على المقترضين، ما يعمّق الركود المحتمل.

يُترجم هذا الارتفاع في العوائد الحكومية عملياً إلى كلفة أعلى على الأسر البريطانية عبر القروض العقارية وأسعار الفائدة المرتفعة، ما يزيد العبء على القدرة الشرائية ويحد من أي انتعاش محتمل في الاستهلاك.

في الوقت نفسه، يواصل التضخم دورته الصعودية، فقد ارتفع مؤشر أسعار المستهلك إلى 3.8% في يوليو تموز، و4.2% في أغسطس آب وهو أعلى معدل في 18 شهراً بين دول مجموعة السبع.

وذلك يضعف الهدف الرسمي للبنك المركزي، ويجعل هذا المستوى لجنة السياسة النقدية حذرة حيال خفض الفائدة سريعاً.

ففي اجتماع أغسطس آب خفّض البنك سعر الفائدة الأساسي إلى 4.0%، إلا أن التصويت كان منقسماً تقريباً.

وأظهرت استطلاعات الرأي أن جميع الخبراء المشاركين يتوقعون تثبيت سعر الفائدة في اجتماع 18 سبتمبر أيلول عند 4%، مع توقع أغلبهم خفضه لاحقاً خلال الربع الأخير من العام إذا استمر التضخم بالانخفاض.

على صعيد سوق العمل، بدأت وتيرة التوظيف تتراجع، فقد انخفض عدد العاملين على قوائم الأجور نحو 8 آلاف شخص في أغسطس آب الماضي، بينما ارتفعت البطالة إلى مستويات لم تشهدها منذ 2021.

رغم تباطؤ نمو الأجور إلى 4.7% وارتفاع البطالة إلى 4.7%، فإن مستويات الأجور تبقى أعلى بكثير من التوافق مع هدف التضخم عند 2%

صحيح أن عدد العاملين ارتفع إلى مستوى قياسي بلغ 34.2 مليون شخص، لكن زيادة الوظائف الإضافية إلى 1.3 مليون وظيفة تعكس حاجة الأسر لدخل إضافي لمواجهة تكاليف المعيشة.

مع هذه المؤشرات المتباينة بين تباطؤ الطلب وضغوط الأسعار، ينتظر المحللون قرار بنك إنجلترا بفارغ الصبر لمعرفة إن كان سيعيد تقييم موقفه بشأن سعر الفائدة أم سيحتفظ بالاستراتيجية الحالية.

ضغوط مالية ومخاوف ثقة

ولا تقتصر التحديات على التضخم وحده، فهناك قلق متزايد بشأن السياسة المالية الداخلية، فقد تداولت تقارير حديثة احتمال فرض الحكومة ضرائب جديدة، مثل ضريبة على أرباح بيع المساكن أو توسيع نطاق الدخل الخاضع للضريبة، وربما فرض رسوم إضافية على البنوك وبعض القطاعات.

وقد انعكست هذه التوقعات سلباً على ثقة الأسر والشركات، إذ أظهر مسح مستقل أن مستوى «الخوف الاستهلاكي» في بريطانيا بلغ أعلى مستوياته منذ جائحة كورونا، نتيجة المخاوف من البطالة وارتفاع الأسعار والعبء الضريبي المحتمل.

وأكدت كبيرة الاقتصاديين في اتحاد الصناعات البريطاني، لويز هيلم، أن العديد من الشركات يبقى في وضع ترقب، فالكثير منها «لا يزال يعلق قراراته في انتظار بضعة أسابيع أو أشهر للحصول على وضوح أكبر حول السياسات القادمة»، لكنها لفتت إلى أننا «لم نصل قط إلى تلك النقطة».

ولم تقتصر الضغوط على الاقتصاد، بل امتدت إلى المشهد السياسي، إذ هزّت فضيحة ضرائب أنجيلا راينر الحكومة وأجبرت رئيس الوزراء كير ستارمر على تعديل وزاري واسع.

ومع تزايد الانتقادات لضعف معايير النزاهة وتراجع شعبية حزب العمال خلف حزب الإصلاح في بعض الاستطلاعات، يجد ستارمر نفسه أمام اختبار مزدوج بين سياسي واقتصادي، مع اقتراب موعد الموازنة في نوفمبر تشرين الثاني.

 السيناريوهات المتوقعة لأسعار الفائدة وماذا تعني 

السيناريو الأول: السيناريو المرجّح  وهو تثبيت مؤقت ثم خفض طفيف لاحقاً

مع اقتراب اجتماع بنك إنجلترا، تتركز الأنظار على ثلاثة مسارات محتملة للسياسة النقدية. يقوم السيناريو الأول، وهو السيناريو المُرَجَّح، أن البنك سيُبقي سعر الفائدة عند 4% خلال اجتماع سبتمبر ايلول، في انتظار بيانات الأشهر المقبلة قبل اتخاذ أي خطوة جديدة.

هذا السيناريو هو الأقرب للواقع لأن التضخم ما زال فوق الهدف الرسمي عند 2%، لكن في الوقت نفسه النمو الاقتصادي ضعيف، ما يجعل التسرع في الخفض مخاطرة، بينما الرفع مجدداً قد يخنق النشاط.

يتيح التثبيت المؤقت للبنك شراء وقت لمراقبة اتجاهات الأسعار والأجور وسوق العمل، مع احتمالية بدء خفض تدريجي للفائدة في الربع الأخير من العام إذا تباطأ التضخم بوضوح.

السيناريو الثاني: السيناريو الصارم وأكثر الحمائية وهو رفع أو إبقاء صارم للفائدة

أما السيناريو الثاني فهو سيناريو السياسة الصارمة، إذ يختار بنك إنجلترا رفع الفائدة مجدداً أو الإبقاء عليها مرتفعة لفترة أطول للحفاظ على المصداقية إذا تبين أن التضخم «عالق» عند مستويات مرتفعة.

يعنى ذلك التضحية بجزء أكبر من النمو، وزيادة مخاطر البطالة، وفرض مزيد من الضغوط على قطاع الإسكان والمالية العامة، لكنه يعطي رسالة قوية بأن البنك لن يتساهل مع الأسعار المرتفعة، ما قد يسهم في إعادة تثبيت التوقعات التضخمية.

السيناريو الثالث: السيناريو التيسيري وهو خفض الفائدة

أما عن السيناريو الثالث فهو سيناريو التيسير المبكر، أي أن البنك يبدأ خفض الفائدة إذا تحسنت بيانات التضخم بسرعة أكبر من المتوقع، وظهرت إشارات أعمق على تباطؤ النمو والوظائف.

قد يوفر هذا المسار متنفساً للأسر المقترضة ويحفز الاستهلاك، لكنه يحمل مخاطرة أن يعود التضخم للارتفاع لاحقاً إذا كان الهبوط الأخير نتيجة عوامل مؤقتة.

في ظل تعقد هذه المعطيات، تبدو التوقعات المستقبلية متواضعة؛ فقد عدّل صندوق النقد الدولي تقديراته لنمو الاقتصاد البريطاني هذا العام إلى نحو 1.2% فقط، محذراً من مخاطر كبيرة تعترض خطط التقشف المالي.

ومع اقتراب اجتماع بنك إنجلترا في 18 سبتمبر أيلول، يبقى التحدي إيجاد توازن بين كبح التضخم وتحفيز أي انتعاش محتمل، في وقت يراهن فيه صانعو السياسة على ثبات الفائدة مع تحول تدريجي محتمل في الأشهر القادمة.