يجمع الخبراء على أن وجود بنك مركزي مستقل أمر بالغ الأهمية لأي اقتصاد متقدم، بل لا يحتاج المرء حتى إلى استشارة خبير اقتصادي في هذا الشأن، فما عليه إلا أن ينظر إلى تركيا أو الأرجنتين ليدرك مدى الكارثة التي قد تنجم عن السماح للسلطة التنفيذية بالتدخل في السلطة النقدية للبلاد. أما السلطة النقدية الأميركية، أي الاحتياطي الفيدرالي، فهو أهم بنك مركزي على الإطلاق، وهو حجر الزاوية في النظام المالي العالمي، وبالطبع يُعتبر تدخل الرئيس الأميركي في شؤون الاحتياطي الفيدرالي تجاوزاً للخطوط الحمراء، وسبباً للذعر من كارثة محتملة.
لكن الأسواق المالية لم تتأثر إلا لفترة وجيزة وبشكل طفيف بخبر استدعاء وزارة العدل لرئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، في تحقيق جنائي.
أما قادة الشركات الأميركية، الذين يمثل استقلال الاحتياطي الفيدرالي هاجساً أساسياً بالنسبة لهم، فهم على القدر نفسه من عدم التأثر، على الأقل علناً.
بداية الأزمة
كان باول قد أصدر بياناً، مساء الأحد، كشف فيه أن المدعين الفيدراليين يحققون مع البنك المركزي ومعه هو شخصياً، بسبب شهادته أمام الكونغرس المتعلقة بتجاوزات في تكاليف تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي.
باول الذي كان هدفاً رئيسياً لانتقادات ترامب خلال العام الماضي مع ضغوط الرئيس المتواصلة لخفض أسعار الفائدة، رفض السبب المعلن للتحقيق ووصفه بأنه «ذريعة».
قال باول: «هذا التهديد الجديد لا يتعلق بشهادتي في يونيو الماضي ولا بتجديد مباني الاحتياطي الفيدرالي، إن التهديد بتوجيه اتهامات جنائية هو نتيجة قيام الاحتياطي الفيدرالي بتحديد أسعار الفائدة بناءً على أفضل تقييم لما يخدم المصلحة العامة، بدلاً من اتباع رغبات الرئيس».
يريد الرئيس خفض أسعار الفائدة بشكل جذري لتحفيز النمو الاقتصادي، بينما يلتزم باول وفريقه المعني بصنع السياسات في الاحتياطي الفيدرالي بتحقيق التوازن بين النمو والاستقرار، بغض النظر عن أهواء أي سياسي، لأن خفض أسعار الفائدة بسرعة كبيرة قد يؤدي إلى أزمة تضخم.
ويبدو أن ترامب غير متأثر إلى حد كبير بالرأي السائد حول استقلالية البنك المركزي، فعلى مدار العام الماضي، وجه تهديدات لباول، وحاول إقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، وعين موالين له لشغل مقاعد شاغرة في لجنة تحديد أسعار الفائدة بالبنك.
تفاقم المخاوف
قال جيفري سوننفيلد، مؤسس معهد ييل لإعداد الرؤساء التنفيذيين، أن قادة الشركات «قلقون للغاية» إزاء هجمات الإدارة على الاحتياطي الفيدرالي.
وجد سوننفيلد وزملاؤه أن 71% من الرؤساء التنفيذيين المئتين، الذين شملهم استطلاع معهد ييل، يعتقدون أن إدارة ترامب قد قوضت استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، ويرى 80% منهم أن الرئيس لا يتصرف بما يخدم مصلحة أميركا بالضغط على باول لخفض أسعار الفائدة.
كان هذا الاستطلاع قبل إعلان بيان تحقيق وزارة العدل مع باول.
مع ذلك لا يوجد أي مؤشر علني على هذا القلق الخفي، حيث لم تُبدِ أي من الشركات الكبرى أو الاتحادات التجارية أو الرؤساء التنفيذيين أي قلق بشأن الاحتياطي الفيدرالي، وهي مؤسسة تؤثر سلطتها في تحديد أسعار الفائدة تأثيراً مباشراً على طريقة إدارة الشركات.
ولم تستجب «مائدة الأعمال المستديرة»، وهي مجموعة تمثل الرؤساء التنفيذيين لأكبر الشركات الأميركية، لطلب التعليق.
أسباب الصمت
أشار سوننفيلد إلى مثال واضح، وهي شركة هارلي-ديفيدسون، حيث نقلت هذه الشركة، خلال الولاية الأولى لترامب، جزءاً من إنتاجها إلى الخارج رداً على الرسوم الجمركية الانتقامية التي فرضها الاتحاد الأوروبي.
قال سوننفيلد: «أخذ ترامب الأمر على محمل شخصي، وأمر الجميع بعدم شراء دراجات هارلي»، والنتيجة أن مجلس إدارة الشركة قام بفصل الرئيس التنفيذي.
لا يرغب الرؤساء التنفيذيون في أن يمروا بالتجربة نفسها، لذا لن يتحدثوا علناً بشكل فردي، إنهم بحاجة إلى عمل جماعي لإحداث تغيير.
وبعض الرؤساء التنفيذيين يحاولون التأثير على الرئيس سراً، خاصةً خلال ولاية ترامب الثانية، من خلال العلاقات الشخصية والقنوات غير الرسمية.
وقد يراهن آخرون على استراتيجية تاكو (TACO)، التي تفترض أن ترامب يتراجع دائماً (Trump Always Chickens Out)، عندما يتعلق الأمر بتصريحاته الأكثر تطرفاً.
فلماذا المخاطرة بأن تصبح عدواً للرئيس إذا كان الأمر مجرد استعراض؟ بل الأفضل شراء الأسهم عند انخفاضها، وتحقيق المكاسب عندما يتراجع الرئيس ويمضي العالم قدماً.
ثم هناك تفسير آخر؛ تُدار الشركات من قبل أشخاص يحبون فكرة انخفاض أسعار الفائدة لدرجة أنهم على استعداد للمخاطرة باستقرار البلاد على المدى الطويل.
لعقود طويلة كانت البيانات الاقتصادية هي الاعتبار الأهم لدى الاحتياطي الفيدرالي عند تحديد أسعار الفائدة، لكن تلك الأيام ولت.
يقول إيراسموس كيرستينغ، أستاذ الاقتصاد في جامعة فيلانوفا: «تفضيلات الرئيس باتت أكثر أهمية بكثير مما كانت عليه في السابق، ولهذا لا يزال مستوى القلق في أوساط مجتمع الأعمال منخفضاً، إذ يتفق عدد من المشاركين في السوق مع رؤية ترامب وحدسه».
(أليسون مورو، سي إن إن)