تشهد سوق العملات المشفّرة واحدة من أعنف موجات التراجع منذ عام 2022، مع استمرار هبوط البيتكوين لأربعة أشهر متتالية، في ظاهرة لم تتكرر منذ سنوات، ما يضعنا أمام حالة عدم يقين بشأن مستقبل سعر العملة المشفرة. وفقدت العملة الأكبر في العالم من حيث القيمة السوقية نحو 40% من قيمتها منذ تسجيل قمتها التاريخية فوق 126 ألف دولار في أكتوبر تشرين الأول 2025، لتتراجع إلى أدنى مستوياتها منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب منصبه، وسط مناخ عالمي يتّسم بتصاعد المخاطر وتراجع شهية المستثمرين للأصول عالية المخاطر.
وعلى عكس الرهانات السابقة التي صورت البيتكوين كـ«ملاذ بديل»، فشلت العملة الرقمية في لعب هذا الدور خلال موجة التوترات الأخيرة، في وقت اتجهت فيه السيولة نحو الذهب والدولار.
هذا التحول في السلوك الاستثماري فتح الباب أمام تساؤلات أوسع: «هل ما يحدث تصحيح صحي، أم بداية موجة هبوط أعمق؟».
لماذا تتراجع البيتكوين بهذه القوة؟
لا يبدو أن هبوط البيتكوين الحالي ناتجاً عن عامل واحد، بل عن تداخل معقد بين عدة عوامل دفعت السعر لهذا الهبوط الحاد، ويمكن تلخيص أسباب تراجع العملة المشفرة في التالي:
السيولة تتبخر.. والأموال الساخنة خارج السوق
جاء الضغط الأكبر على البيتكوين من جانب السيولة العالمية، فبحسب تحليلات قدمها آرثر هايز، المؤسس المشارك لمنصة BitMEX، جرى سحب ما يقارب 300 مليار دولار من السيولة خلال الأسابيع الماضية، بالتزامن مع ارتفاع رصيد حساب الخزانة الأميركية (TGA) استعداداً لاحتمالات الإغلاق الحكومي.
وتاريخياً، تُعد العملات المشفّرة من أكثر الأصول حساسية لتحركات السيولة، إذ تميل إلى التراجع مع سحب النقد من الأسواق، وتستفيد عادةً من أي عودة للسيولة أو تراجع في أرصدة الخزانة الأميركية.
كما شهدت صناديق البيتكوين المتداولة في البورصة (ETF) نزوحاً كبيراً للأموال، مع خروج نحو 3 مليارات دولار في يناير كانون الثاني 2026، و9 مليارات دولار خلال نوفمبر وديسمبر 2025، وهو ما أفقد السوق أحد أهم مصادر الدعم التي ساهمت في صعوده العام الماضي.
البيتكوين تفقد دعم الحكومة الأميركية
في الوقت الذي كانت الأسواق تراهن على دعم إدارة ترامب للعملات الرقمية، اصطدمت هذه التوقعات بواقع مالي أكثر تعقيداً، يتمثل في اتساع عجز الموازنة الأميركية وعودة المخاوف من الإغلاق الحكومي، ما دفع وزارة الخزانة إلى تعزيز أرصدتها النقدية وسحب السيولة من الأسواق، وهو ما انعكس سريعاً على الأصول عالية الحساسية للسيولة.
ورغم أنه لم تُعلن وزارة الخزانة الأميركية عن رفض أو حظر التعامل بالبيتكوين، فإنه قال وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت إن الحكومة تحتفظ بالبيتكوين المصادرة، لكنها لن تتدخل لدعم السوق عبر توجيه البنوك أو تعديل متطلبات الاحتياطي، وأن أي مشتريات جديدة يجب أن تكون عبر مصادرة أصول أو استراتيجيات «محايدة الميزانية».
هذا يعني أن السياسات الحكومية لا تمثل عامل دعم مباشراً لسعر البيتكوين، بل تترك السوق لمعايير العرض والطلب.
وعلى المستوى النقدي، لا يزال الاحتياطي الفيدرالي الأميركي متمسكاً بسياسة نقدية متشددة نسبياً، مع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول من المتوقع، في ظل تباطؤ سوق العمل وعدم عودة التضخم إلى مستهدف 2% بشكل حاسم، وهذا الواقع يدفع المستثمرين لإعادة تسعير المخاطر، ويقلّص جاذبية الأصول التي لا تولد عائداً، وعلى رأسها البيتكوين.
تراجع سردية «الملاذ الأمن» وفقدان لقب «الذهب الرقمي»
فشل البيتكوين في أداء دور «الملاذ الآمن» خلال موجة التوترات الجيوسياسية الأخيرة عزز القناعة بأن العملة الرقمية لا تزال تعامل في المحافظ الاستثمارية كأصل عالي المخاطر، لا كأداة تحوّط.
في المقابل، ارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 19% منذ أكتوبر 2025، مع انخفاض طفيف في الدولار، ما أعاد الانتباه للأصول التقليدية في مواجهة المخاطر.
وهذا المزاج السلبي انعكس بوضوح في أسواق التوقعات، إذ تُسعّر عقود منصة «بوليماركت» احتمالاً يبلغ 82% لهبوط البيتكوين إلى 65 ألف دولار خلال العام، فيما ارتفعت احتمالات هبوط العملة دون 55 ألف دولار إلى نحو 60%، مقابل تراجع فرص العودة إلى 100 ألف دولار مقارنة ببداية العام.
ماذا تقول البنوك والمؤسسات العالمية؟
رغم هذه الصورة القاتمة على المدى القصير، لا تزال البنوك والمؤسسات العالمية متمسكة برؤية تفاؤلية طويلة الأمد، مع تحذيرات واضحة من تقلبات عنيفة في الأجل القريب.
ويرى بنك جي بي مورجان أن المستويات الحالية قد تمثل «قاعاً» محتملاً، ويتوقع وصول البيتكوين إلى 120 ألف دولار خلال 2026، مدفوعاً بتوسع الاعتماد المؤسسي.
فيما يحافظ ستاندرد تشارترد على توقعات أكثر جرأة، مرجحاً بلوغ 150 ألف دولار بنهاية 2026، معتبراً التراجعات فرص إعادة تجميع، في حين يربط غولدمان ساكس أي موجة صعود مستدامة بتحسن البيئة التنظيمية الأميركية، مع الإبقاء على الحذر بسبب سياسات الفيدرالي المتشددة.
أما ساكسو بنك، فكان قد حذّر مسبقاً من اختبار مستويات 74 ألف دولار لتصفية «الأيدي الضعيفة»، مع الإشارة إلى أن كسر هذا النطاق قد يمهّد لارتداد حاد لاحقاً.
وبناءً على هذه التوقعات، تظل نظرة المؤسسات المالية الإيجابية قائمة لعام 2026، لكن الطريق إليها محفوف بتقلبات حادة خلال فبراير ومارس، وفي غضون ذلك يرى المستثمر طويل الأجل في هذه «الخضات» فرصة، بينما يظل المتداول قصير الأجل أكثر عرضة لاضطرابات السوق، وهو ما توضحه القراءة الفنية التالية.
قراءة فنية مبسطة لحركة البيتكوين.. كيف تبدو الصورة حالياً؟
يعتمد هذا التحليل على قراءة حركة سعر البيتكوين عبر عدة أطر زمنية، تبدأ من الإطار الأسبوعي الذي يعكس الاتجاه طويل الأجل، مروراً بالإطار اليومي الذي يعكس الحركة على المدى المتوسط، وصولاً إلى الأطر القصيرة مثل الساعة و30 دقيقة لتوضيح الحركة اللحظية وقوة التحرك الحالية.
والهدف هنا ليس تقديم توقعات أو توصيات استثمارية، وإنما شرح ما تُظهره البيانات الفنية الحالية اعتماداً على مؤشرات السوق وتوقعات البنوك الاستثمارية، وكيف يمكن فهمها بشكل مبسط وواضح.
على الإطار الأسبوعي، يلاحظ أن البيتكوين يمر بمرحلة انتقالية من الصعود المستمر إلى مرحلة تصحيح أو تهدئة في السعر، فقد كسر السعر الحد السفلي للقناة الصاعدة الممتدة منذ قاع 2022، ولكن هذا الكسر لا يعني بالضرورة هبوطاً حاداً فوراً، لكنه يشير إلى أن مرحلة الصعود الطويلة انتهت، وأن السوق دخل في حركة تصحيحية أوسع لإعادة التوازن.
وبالنسبة لقوة الحركة، يظهر مؤشر «ماكد» MACD، وهو أداة تقيس قوة الحركة واتجاهها (الزخم)، تقاطعاً سلبياً، وهذا يعني أن الخط السريع في المؤشر هبط أسفل الخط البطيء، وهو ما يُفهم ببساطة على أن قوة الصعود التي كانت تدفع السعر لأعلى بدأت تضعف، وأن الزخم الإيجابي يفقد طاقته تدريجياً، حتى قبل أن يظهر الهبوط بوضوح على حركة السعر نفسها على الإطار الأسبوعي.
ويمثل النطاق بين 70 و60 ألف دولار على الإطار الإسبوعي خط دعم رئيسي، أي حد حماية مؤقت للسعر، والإغلاق الأسبوعي أدناه قد يشير إلى استعداد السوق لاختبار مستويات أدنى نحو 50 و35 ألف دولار، لكنه لا يعني بالضرورة الوصول إليها.
على جانب آخر، الإغلاق أعلى 75 ألف دولار قد يفتح الطريق نحو مستويات 85 ألف دولار المحورية التي تمثل إنطلاقة نحو 100 ألف دولار ثم إعادة اختبار القمة التاريخية 120 ألف دولار.
أما على الإطار اليومي، فيظهر سلوك السعر بدقة أكبر خلال التصحيح الحالي، إذ يتحرك السعر داخل نطاق بين 70 و75 ألف دولار، وتظهر شموع بذيول سفلية طويلة، ما يعكس محاولات المتداولين للحفاظ على السعر وعدم السماح له بالهبوط أسفل 70 ألف دولار بسهولة.
كما يظهر مؤشر الماكد اليومي تباطؤ قوة الزخم السلبي، أي أن ضغط البيع بدأ يهدأ، دون أن يُفسر هذا على أنه انعكاس كامل للاتجاه، بل مرحلة تهدئة مؤقتة ضمن التصحيح الأكبر. أما وصول مؤشر القوة النسبية إلى ما دون مستوى 30 نقطة، فيعني أن السوق دخل في حالة «تشبع بيعي»، أي أن عمليات البيع كانت مكثفة وسريعة لدرجة أن السعر قد يكون تعرض لضغط أكبر من اللازم خلال فترة قصيرة.
وهذا لا يعني بالضرورة أن السعر سيرتد فوراً، لكنه يشير غالباً إلى أن وتيرة الهبوط قد تهدأ، أو أن السوق يحتاج إلى فترة تماسك لالتقاط الأنفاس قبل تحديد اتجاهه التالي.
وعلى الأطر الزمنية القصيرة، مثل الساعة و30 دقيقة، التي توضح حركة السعر على المدى القصير، نلاحظ أن السعر يسجل قيعاناً متقاربة بينما يسجل مؤشر الزخم قيعاناً أعلى، مما يشير إلى أن قوة البيع بدأت تخف وأن وتيرة الهبوط ليست بنفس سرعتها السابقة.
وظهور تقاطع صاعد على الماكد في هذه الأطر قد يعكس بداية حركة قصيرة محدودة لالتقاط الأنفاس ضمن الاتجاه الأكبر، لكنها ليست انعكاساً طويل الأجل.
وفي ضوء هذه المعطيات، نجد أن البيانات الفنية الحالية تُظهر تضارباً زمنياً واضحاً، فالاتجاه على المدى المتوسط والطويل يميل إلى الضعف، بينما على المدى القصير تظهر إشارات تهدئة واحتمال لحركة تصحيحية محدودة.
وتشمل مستويات الدعم التي تُستحق المراقبة 70 ألف دولار كخط حماية رئيسي، و75 ألف دولار كنقطة متابعة لأي ارتداد قصير، و65 ألف دولار كمستوى مراقبة في حال استمرار الهبوط.
ويجدر الإشارة إلى أن هذا التحليل لا يقدم توقعات مستقبلية ولا توصيات استثمارية، بل يكتفي بقراءة ما تعكسه المؤشرات الفنية في الوقت الحالي، وأي تحركات صاعدة محتملة على المدى القريب تظل، وفق هذه القراءة، جزءاً من حركة تصحيحية داخل مسار أوسع لا يزال بحاجة إلى وقت لإعادة بناء الزخم.
وتظل الصورة الأكبر مرهونة بعوامل زمنية ومؤثرات أساسية متغيرة، وقد يستغرق التوازن السعري أسابيع أو حتى أشهر قبل أن تتضح ملامح الاتجاه طويل الأجل بشكل أكثر حسماً.