مع تسارع طفرة الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة، يتسع في المقابل اعتماد مراكز البيانات الحديثة على شبكة معقدة من المعادن الحيوية المستوردة. فالبنية التحتية التي تشغّل النماذج الذكية والحوسبة السحابية —من الرقائق الإلكترونية إلى أنظمة التبريد والتخزين— ترتكز بدرجة كبيرة على مواد يتم جلبها من الخارج، ما يضع الاقتصاد الأميركي أمام تحديات مرتبطة بأمن سلاسل الإمداد ويمنح الصين موقعاً محورياً في معادلة تقنيات المستقبل. وتشير بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن الولايات المتحدة تعتمد بنسبة 100% على استيراد عدد من
المعادن الأساسية لصناعة الرقائق، مثل الزرنيخ، الفلورسبار، الغاليوم، الجرمانيوم، الإنديوم، والتانتالوم. كما تستورد 85% من احتياجاتها من البلاتين و36% من البلاديوم، وهما عنصران حاسمان في تصنيع أشباه الموصلات.
وتُعد أشباه الموصلات «العقل» الفعلي لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما يجعل هذا الاعتماد المكثف نقطة ضعف استراتيجية، صحيح أن السليكون —المادة الأساسية للرقائق— تقل نسبة الاعتماد على استيراده عن 50%، إلا أن العناصر النادرة التي تمنح الرقائق قدراتها المتقدمة تخضع بدرجة كبيرة لسيطرة خارجية.
ولا يقتصر الأمر على الرقائق. فلوحات الخوادم والدوائر الكهربائية تحتاج إلى معادن موصلة ونفيسة بنسب مرتفعة من الاستيراد؛ إذ تعتمد الولايات المتحدة على الخارج لتأمين 64% من الفضة و73% من القصدير المستخدمين في عمليات اللحام والتوصيل الكهربائي. ويصل الاعتماد على استيراد النحاس —الضروري للأسلاك والاتصال— إلى 45%، بينما يُستورد التانتالوم المستخدم في المكثفات بالكامل تقريباً، ويشكّل الذهب استثناءً محدوداً، إذ لا يوجد اعتماد صافٍ على استيراده، ما يمنح الصناعة هامش أمان ضيق داخل منظومة عالمية الطابع.
كما تفرض الطبيعة عالية الكثافة للطاقة في خوادم الذكاء الاصطناعي تحديات تبريد ضخمة. وتعتمد مشتتات الحرارة على الألومنيوم بنسبة استيراد تبلغ 47%، وعلى النحاس بنسبة 45%. أما في مجال تخزين البيانات، فتستند المغناطيسات ومحركات الأقراص إلى عناصر الأرض النادرة بنسبة اعتماد تصل إلى 80%، إضافة إلى البارايت الذي يتجاوز الاعتماد على استيراده 75%.
في قلب هذه المعادلة تقف الصين، التي تهيمن على إنتاج وتكرير معظم المعادن الحيوية المستخدمة في مراكز البيانات، وتُكرر نحو 90% من عناصر الأرض النادرة عالمياً داخل أراضيها، ما يمنحها نفوذاً استراتيجياً واسعاً في سلاسل القيمة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
في سباق الهيمنة على الذكاء الاصطناعي، لم يعد التفوق البرمجي والتقني وحده كافياً. فإلى جانب الخوارزميات والقدرات الحوسبية، بات تأمين الوصول إلى المعادن الحيوية شرطاً أساسياً لضمان استدامة التفوق التكنولوجي وحماية البنية التحتية الرقمية من تقلبات الجغرافيا السياسية.