البنك المركزي المصري: مصر تقترب من «منطقة الأمان التضخمي»

البنك المركزي المصري: مصر تقترب من «منطقة الأمان التضخمي» (البنك المركزي المصري)
البنك المركزي المصري: مصر تقترب من «منطقة الأمان التضخمي»
البنك المركزي المصري: مصر تقترب من «منطقة الأمان التضخمي» (البنك المركزي المصري)

تكشف أحدث قراءة لتقرير السياسة النقدية في مصر عن الربع الرابع 2025 عن تحول أعمق في مسار الاقتصاد، إذ تتراجع الضغوط التضخمية تدريجياً بالتزامن مع تحسن ملحوظ في مصادر النقد الأجنبي ونشاط الاستثمار، ما يعزز رهانات الوصول إلى مرحلة استقرار سعري أكثر استدامة.

من المتوقع أن يظل التضخم مستقراً قرب مستوياته الحالية خلال الربع الأول من 2026، قبل أن يستأنف مساراً هبوطياً تدريجياً خلال بقية العام.

أما نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فقد تم تعديل تقديره بالرفع إلى 5.1% في 2026/2025 وتوقعاته 5.5% في 2027/2026، بسبب تحسن مساهمة قطاعي الصناعة غير البترولية والخدمات، إضافة إلى زيادة متوقعة في إنتاج الصناعات الاستخراجية وتعافي نشاط قناة السويس.

تضخم يتراجع ولكن بحذر

تشير البيانات إلى أن التضخم فقد جزءاً كبيراً من ارتفاعه مقارنة بالعام الماضي، بسبب تباطؤ أسعار الغذاء واستقرار سعر الصرف وتراجع الضغوط العالمية.

ورغم ارتفاع طفيف في التضخم الأساسي خلال فترة مؤقتة، فإن الاتجاه العام لا يزال هبوطياً، مع توقعات بأن يواصل التراجع تدريجياً حتى يقترب من مستهدف 7% (±2 نقطة مئوية) بنهاية 2026.

وتشير التقديرات إلى أن متوسط التضخم السنوي سيتراوح بين 12% و12.5% في السنة المالية 2026/2025، ثم ينخفض إلى نحو 9% في 2027/2026، مقارنة بـ20.4% في 2025/2024.

إطار السياسة النقدية وانتقال أثرها

بلغ إجمالي خفض أسعار الفائدة خلال عام 2025 نحو 725 نقطة أساس، مع انتقال ما يقرب من 94% من هذا الخفض إلى أسعار سوق النقد، ما يعني فاعلية آلية انتقال السياسة النقدية.

ومن الجدير بالذكر أن، في 12 فبراير شباط 2026، قررت لجنة السياسة النقدية خفض أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، إذ تم خفض سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 19%، وسعر الإقراض لليلة واحدة إلى 20%، وسعر العملية الرئيسية إلى 19.5%، كما تم خفض سعر الائتمان والخصم إلى 19.5%.

كذلك تم تخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي للبنوك التجارية من 18% إلى 16%.

قام البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة الأساسية بمقدار 100 نقطة أساس، لدعم استمرار تراجع التضخم والحفاظ على توجه نقدي يساعد في تحقيق مستهدف 7% بحلول نهاية 2026.

ورأت لجنة السياسة النقدية أن هذا المزيج من خفض الفائدة وزيادة السيولة يعزز انتقال السياسة النقدية إلى الاقتصاد الحقيقي، ويساعد في تثبيت توقعات التضخم ودعم النمو مع الحفاظ على استقرار الأسعار.

ويستهدف خفض الاحتياطي الإلزامي الحفاظ على مستوى كافٍ من السيولة لدعم دورة التيسير وتعزيز نمو الائتمان الموجه للقطاع الخاص، مع استمرار متابعة البنك للمخاطر واستخدام الأدوات اللازمة لضمان تحقيق مستهدف التضخم.

الاقتصاد الحقيقي يستعيد الزخم

في الخلفية، يظهر النشاط الاقتصادي إشارات تعافٍ أكثر اتساعاً، النمو مدفوع بشكل واضح بالتصنيع غير البترولي والسياحة والاتصالات، مع قفزة قوية في الاستثمار الخاص.

كما أسهم افتتاح مشروعات سياحية كبرى وزيادة الليالي السياحية في دعم قطاع الخدمات، بينما بدأت الصناعات الاستخراجية في الخروج تدريجياً من مرحلة التباطؤ، ما يعزز توقعات تسارع النمو خلال العامين المقبلين.

فقد تم تعديل تقدير الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، بالرفع إلى 5.1% في 2026/2025 بدلاً من 5% وتوقعاته إلى 5.5% في 2027/2026.

تحسن ملحوظ في مصادر العملة الأجنبية

أحد أبرز التحولات يتمثل في تحسن المركز الخارجي، فقد تقلص عجز الحساب الجاري بدعم تحويلات المصريين في الخارج وارتفاع إيرادات الخدمات، خاصة السياحة والنقل.

كما ساعد استقرار تدفقات الاستثمار الأجنبي وعودة اهتمام المستثمرين بأدوات الدين المحلية في تعزيز الاحتياطيات الأجنبية وخفض تكلفة الاقتراض السيادي.

يعد هذا التحسن الخارجي عاملاً حاسماً في تثبيت توقعات التضخم وتقليل حساسية الاقتصاد للصدمات، وهو ما يفسر تراجع علاوة المخاطر وتحسن مؤشرات الثقة في الأسواق.

سوق العمل والأجور.. تحسن تدريجي دون ضغوط تضخمية

أظهر سوق العمل بدوره تحسناً مع انخفاض معدل البطالة وبدء تعافي الأجور الحقيقية، لكن دون وصولها بعد إلى مستويات ما قبل 2022.

كما تحسن سوق العمل، إذ تراجع معدل البطالة إلى 6.2% في الربع الرابع 2025 مقابل 6.4% في الربع الثالث و6.7% قبل عام، مع بدء تعافي الأجور الحقيقية رغم بقائها دون مستويات ما قبل 2022.

ويعزز هذا التحسن المتوازن في سوق العمل قدرة الاقتصاد على دعم الاستهلاك دون إشعال موجة تضخمية جديدة، في انسجام واضح مع الاتجاه النزولي التدريجي للأسعار.

ماذا تعني المرحلة المقبلة؟ المخاطر والسيناريوهات البديلة

تشير التوقعات إلى اقتصاد يتحرك نحو إغلاق فجوة الناتج بحلول نهاية 2026، مع نمو مرشح للتسارع مدفوعاً بالتصنيع والخدمات وعودة نشاط قناة السويس تدريجياً.

لكن المسار لا يخلو من مخاطر، أبرزها تأثير إجراءات الضبط المالي وتعديلات أسعار الطاقة والتقلبات الجيوسياسية.

تشمل المخاطر المحتملة على مسار تراجع التضخم تأثير إجراءات الضبط المالي مثل تعديلات ضريبة القيمة المضافة ورفع أسعار الطاقة، واستمرار التضخم غير الغذائي، إضافة إلى المخاطر الجيوسياسية.

ويشير سيناريو بديل يفترض ارتفاع علاوة المخاطر السيادية إلى مسار أبطأ نسبياً لانخفاض التضخم، مع بقائه متجهاً نحو المستهدف بحلول الربع الرابع 2026، وإن كان عند مستوى أعلى قليلاً في 2025/2026 يبلغ نحو 12.5% مقارنة بـ12.0% في السيناريو الأساسي.