اتجه مستثمرو السندات إلى تبني موقف دفاعي في الأسواق بعد أن أضافت الحرب في الشرق الأوسط مخاطر جديدة، ما دفع كثيرين إلى زيادة حيازاتهم من سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل قبيل قرار السياسة النقدية المرتقب من الاحتياطي الفيدرالي بشأن سعر الفائدة. ومن المتوقع على نطاق واسع أن يبقي مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال اجتماعه الذي يستمر يومين وينتهي الأربعاء سعر الفائدة القياسي لليلة واحدة ضمن نطاق 3.50% – 3.75%، بينما يقيّم صانعو السياسة تأثير الحرب مع إيران على هدفَي البنك المركزي المتمثلين في استقرار الأسعار وتحقيق أقصى قدر من التوظيف.
ورغم تصاعد الحذر في الأسواق، يعتقد كثير من المستثمرين أن الصراع قد يكون محدوداً وقصير الأمد، وهو ما قد يقلل تأثير ارتفاع أسعار النفط على التضخم. ويقول بعض المستثمرين إن استقرار الأسعار الاستهلاكية قد يمنح
الاحتياطي الفيدرالي مساحة لخفض أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام، الأمر الذي قد يدفع إلى موجة ارتفاع في سندات الخزانة الأميركية وسوق الديون الأوسع.
لكن في الوقت الراهن، يرى مديرو المحافظ الاستثمارية أن مزيج التوترات الجيوسياسية والتضخم المستمر وضعف سوق العمل جعل توقعات الأسواق بشأن مسار سياسة الفيدرالي أكثر غموضاً. كما دفع هذا الغموض بعض المستثمرين إلى الابتعاد عن السندات طويلة الأجل إلى حين اتضاح مسار الحرب واستجابة البنك المركزي لها.
وقال داني زيد، مدير المحافظ في شركة توينتي فور لإدارة الأصول: «المستثمرون باتوا أكثر حذراً وتجنبوا الأجزاء الأكثر خطورة في سوق السندات. كما أن تقلبات أسعار الفائدة ستظل مرتفعة، ولذلك نحافظ حالياً على موقف محايد من حيث مدة الاستحقاق إلى أن تتضح صورة الصراع».
ويقيس مفهوم مدة الاستحقاق مدى حساسية سعر السند لتحركات أسعار الفائدة. ويعني اتخاذ موقف «محايد» أن تتماشى مدة استحقاق المحفظة مع المؤشر المرجعي لها، وهو ما يعكس استراتيجية حذرة تقلل التعرض للسندات طويلة الأجل في الوقت الحالي.
وأظهر أحدث استطلاع لعملاء الخزانة لدى جيه بي مورغان أن عملاء البنك النشطين يحتفظون حالياً بأكبر مراكز بيع على السندات منذ أوائل فبراير، في خطوة تهدف إلى الحد من مخاطر تقلب أسعار الفائدة.
وخلال مارس، ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين بنحو 31 نقطة أساس، في طريقها لتسجيل أكبر زيادة شهرية منذ أكتوبر 2024، وسط مخاوف من أن البنوك المركزية قد لا تتمكن من خفض الفائدة بسبب الضغوط التضخمية الناتجة عن ارتفاع أسعار النفط. وبلغ العائد على هذه السندات في أحدث التداولات 3.69%.
ورغم ذلك، يرى بعض المستثمرين مجالاً لتراجع هذه العوائد، إذ إن السندات قصيرة الأجل استوعبت الجزء الأكبر من عمليات البيع منذ اندلاع الحرب، ما دفع عوائدها إلى أعلى مستوياتها في سبعة أشهر.
وفي الوقت نفسه، قفزت عقود النفط الخام الأميركية الآجلة بنسبة 46% خلال الشهر الجاري، ما يضعها على المسار لتحقيق أكبر مكسب شهري منذ مايو 2020.
وقال براد كونغر، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة هيرتل كالاهان في فيلادلفيا، إن ارتفاع التضخم المدفوع بأسعار الطاقة قد يصل إلى نقطة يتحول فيها إلى تراجع في الطلب الاستهلاكي. وأضاف: «سندات الخزانة تمثل أداة تحوط في حال تباطؤ الاقتصاد، سواء انتهت الحرب سريعاً أو استمرت لفترة أطول».
وتُظهر عقود الفائدة الآجلة في الولايات المتحدة أن الأسواق قلصت توقعاتها لخفض الفائدة هذا العام، حيث تسعّر حالياً تخفيضات بنحو 24 نقطة أساس فقط مقارنة بـ55 نقطة أساس قبل اندلاع الحرب، وفق تقديرات شركة إل إس إي جي.
ومن المنتظر أن تتضح الصورة أكثر يوم الأربعاء عندما ينشر الاحتياطي الفيدرالي ملخص توقعاته الاقتصادية، بما في ذلك توقعات أسعار الفائدة المعروفة باسم «المخطط النقطي» (Dot Plot).
وكانت توقعات ديسمبر، عندما
خفض الفيدرالي الفائدة إلى النطاق الحالي 3.50% – 3.75%، تشير إلى خفض إضافي واحد فقط بمقدار 25 نقطة أساس خلال هذا العام، مع بقاء تقدير المستوى المحايد للفائدة عند 3%.
ويرى معظم المستثمرين أن الفيدرالي لن يغير توجيهاته بشكل كبير في الاجتماع المقبل في ظل استمرار الحرب مع إيران وارتفاع مستويات عدم اليقين. وقال أولوميدي أوولابي، رئيس فريق أسعار الفائدة الأميركية في نويبرغر بيرمان: «تحديد الخطوة التالية أصبح صعباً في هذه المرحلة. لا أعتقد أن الفيدرالي سيغير رؤيته طويلة الأجل لمجرد أن مستوى عدم اليقين مرتفع للغاية».