في مفارقة لافتة، يتعرض
الذهب لضغوط حادة في وقت يُفترض أن يزدهر فيه كملاذ آمن. وبدلاً من التحليق مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، بدأت الأسعار تُظهر تذبذباً عنيفاً يثير تساؤلات حول ما إذا كان المعدن الأصفر يواجه نقطة تحول خطيرة في مساره.
الصدمة المزدوجة.. النفط والفائدة
التراجع الأخير في
أسعار الذهب لم يكن عشوائياً، بل جاء نتيجة تداخل عدة عوامل قوية، أهمها قفزة أسعار النفط مع تصاعد الهجمات على البنية التحتية في الشرق الأوسط، ما عزز الضغوط التضخمية عالمياً، وتشدد الاحتياطي الفيدرالي، مع تزايد التوقعات بإبقاء الفائدة مرتفعة أو حتى رفعها مجدداً، مع بيانات تضخم مفاجئة، حيث ارتفع مؤشر أسعار المنتجين الأميركي إلى 3.2% مقابل توقعات عند 2.9%
هذه العوامل مجتمعة دفعت عوائد السندات الأمريكية للارتفاع، وهو ما يُعد العامل الأكثر حساسية بالنسبة للذهب، الذي لا يدر عائداً.
تحركات عنيفة.. نطاق 364 دولاراً في يوم واحد
سجل الذهب تقلبات استثنائية، حيث هبط إلى 4,503 دولارات للأوقية قبل أن يرتد إلى 4,610 دولارات، ضمن نطاق يومي واسع بلغ 364 دولاراً، وهو مؤشر واضح على حالة عدم اليقين التي تسيطر على السوق.
ورغم تمركز الأسعار قرب مستوى 5,000 دولار، فإن هذا الاستقرار الظاهري يخفي هشاشة متزايدة.
هل يفقد الذهب دوره كملاذ آمن؟
يرى دانيال بافيلونيس محلل واستراتيجي أسواق سلع في (RJO Futures) أن الصورة الحالية قد تكون مضللة، محذرًا من أن الذهب لم يعد يتحرك كملاذ آمن تقليدي. وبحسب تقديره، فإن العلاقة بين الطاقة وعوائد السندات أصبحت العامل الحاسم، وأن ارتفاع عائد السندات لأجل 10 سنوات يضغط مباشرة على الذهب، كما أن صعود النفط لا يدعم الذهب كما كان في السابق، بل قد يؤدي إلى بيعه.
ويضيف أن الأسواق قد تنزلق إلى حلقة متكررة من التفاعلات المتشابكة، تبدأ بارتفاع أسعار النفط، ما يدفع عوائد السندات للصعود، وهو ما يضغط بدوره على الذهب والأسهم ويدفعهما إلى التراجع، قبل أن تشهد الأسواق ارتدادًا مؤقتًا لا يلبث أن يتبعه تجدد لموجات البيع مجددًا، في دورة تعكس حالة من عدم الاستقرار وغياب الاتجاه الواضح.
هل يستمر تدفق النفط؟
أحد أهم المتغيرات الآن هو حركة شحن النفط عبر الممرات الحيوية. فاستمرار تدفق الناقلات —خاصة من آسيا— قد يهدئ الأسواق مؤقتًا ويحد من ارتفاع الأسعار.
أما في حال تعطل الإمدادات، فإن الصدمة قد تكون مزدوجة: ارتفاعاً حاداً في الطاقة وتسارعاً التضخم، وبالتالي مزيد من الضغط على الذهب.
السيناريو الأخطر: تسييل الأصول
الخطر الأكبر الذي يلوح في الأفق لا يتعلق فقط بالأسواق، بل بسلوك الدول نفسها، ففي حال توسع الصراع وتهديد البنية التحتية، قد تضطر بعض الدول إلى بيع سندات الخزانة الأميركية وتصفية استثمارات في الأسهم، وتسييل احتياطيات الذهب لتوفير السيولة الفورية.
هذا السيناريو —إن تحقق— قد يخلق موجة بيع جماعية تضغط على الذهب بشكل غير مسبوق، رغم كونه أصلاً دفاعياً.
انقسام بين البنوك والمحللين
محللو غولدمان ساكس يرون أن الذهب لا يزال مدعوماً على المدى المتوسط بفعل مشتريات البنوك المركزية، لكنهم يحذرون من تصحيحات حادة قصيرة الأجل بسبب
الفائدة المرتفعة.
في المقابل، تشير تقديرات جيه بي مورغان إلى أن استمرار التضخم المرتبط بالطاقة قد يبقي الذهب متقلباً، مع ميل هبوطي إذا استمرت العوائد بالصعود.
أما تقارير مجلس الذهب العالمي فتؤكد أن الطلب الرسمي لا يزال قوياً، لكنه قد لا يكون كافياً لامتصاص موجات بيع ناتجة عن ضغوط السيولة.
إلى أين يتجه الذهب؟
السيناريو الأكثر إثارة للقلق، وفقًا لبافيلونيس، يتمثل في: ضعف أسواق الأسهم واستمرار صعود النفط، وارتفاع العوائد.
وفي هذه الحالة، قد يفقد الذهب دعمه تدريجياً، ليتجه نحو مستوى 4,200 دولار للأوقية.
الذهب يقف الآن عند مفترق طرق تاريخي، فإما أن يستعيد دوره كملاذ آمن إذا هدأت العوائد، أو يتحول إلى ضحية للسيولة وارتفاع الفائدة.
وفي ظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وأزمة الطاقة، والتضخم، يبدو أن المعدن الأصفر لم يعد يتحرك بمنطق تقليدي، بل أصبح رهينة لتوازنات أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.