قبل عام فقط، كانت شركتا سبيس إكس وxAI المملوكتان لإيلون ماسك تحلقان عالياً، إذ بلغت قيمتهما المجمعة نحو 500 مليار دولار بعد صعود سريع في التقييمات. أما اليوم، وبينما كان ماسك يدير من مدينة «ستاربيس» في تكساس أكبر طرح عام أولي في التاريخ، فقد بدا ذلك الرقم متواضعاً مقارنة بالقفزة الهائلة التي أوصلت قيمة سبيس إكس –التي استحوذت على xAI في وقت سابق من العام– إلى أكثر من تريليوني دولار مع بدء تداول أسهمها في وول ستريت، وفقاً لفايننشال تايمز.
وبذلك، أكمل ماسك، المهاجر القادم من جنوب إفريقيا والذي يقدم نفسه باعتباره صاحب رؤية تقنية ومثيراً دائماً للجدل، رحلة صعوده إلى قمة عالم المال، فمع ارتفاع السهم بأكثر من 20% في أولى جلساته، أصبح أول تريليونير في التاريخ، فيما بدا كأن عالم التكنولوجيا بأكمله يقف تحت قدميه.
مضاعفة قيمة سبيس إكس 4 مرات في عام
لكن من الصعب العثور على تطورات جوهرية في أعمال سبيس إكس تبرر تضاعف تقييمها أربع مرات خلال عام واحد فقط، ويرى مراقبون أن ما حدث يعكس قبل كل شيء قدرة ماسك الفريدة على أسر خيال الجمهور وتحويل ذلك إلى قيمة مالية هائلة في وول ستريت.
وعندما تُكتب قصة هذا الطرح التاريخي، فمن المرجح أن تُقدَّم كنموذج على
قدرة ماسك في رسم صورة جذابة للمستقبل التكنولوجي تقنع وادي السيليكون والمستثمرين معاً، مدعوماً بشبكة واسعة من المؤيدين في الأوساط المالية، ومع رسوم اكتتاب قُدرت بنحو 500 مليون دولار، لم يكن مفاجئاً أن تصدر تحذيرات محدودة فقط بشأن احتمالات المبالغة في تقييم السهم.
ولا شك أن سبيس إكس حققت إنجازات استثنائية خلال 24 عاماً من تاريخها، وقد يكون مستقبلها في استكشاف الفضاء بين الكواكب مشرقاً كما يروج له أنصارها، لكن من منظور تجاري بحت، لا تزال الشركة بعيدة عن تبرير تقييم يتجاوز تريليوني دولار.
وخلال الأشهر الماضية، واصل ماسك طرح رؤى جديدة لتعزيز جاذبية شركته، من بينها فكرة إنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي في الفضاء، وهي فكرة تحولت سريعاً إلى أحد المبررات الرئيسية لتقييم الشركة، كما روّج لدور xAI كمحرك للذكاء الاصطناعي في قطاع الأعمال، رغم تأخرها عن منافسين كبار في هذا المجال.
مشروعات ماسك من خيال إلى واقع
ويُعد الغموض المحيط بهذه المشاريع الطموحة جزءاً من أسلوب ماسك المعتاد؛ فهو يطرح الرؤية الكبرى ويترك للإعلام والمصرفيين والمستثمرين مهمة ملء التفاصيل، وهكذا تتحول الأفكار التي تبدو في البداية أقرب إلى الخيال العلمي إلى احتمالات يراها كثيرون واقعية بل ومرجحة.
وقد أبدت وول ستريت استعداداً كبيراً لتحويل هذه الأحلام التقنية إلى توقعات مالية تدعم التقييمات الضخمة، فعلى سبيل المثال توقعت غولدمان ساكس، البنك الرئيسي المسؤول عن الطرح، أن ترتفع إيرادات الشركة إلى 474 مليار دولار بحلول عام 2030، على أن يأتي معظمها من أنشطة الذكاء الاصطناعي.
كما اتبع ماسك أسلوباً غير تقليدي خلال عملية الطرح، إذ أعلن مسبقاً السعر الذي سيتعين على المستثمرين دفعه لشراء السهم، في رسالة واضحة مفادها أنه غير مستعد للتفاوض بشأن التقييم، وما كان قد يُعد مخاطرة بالنسبة لرؤساء تنفيذيين آخرين، أصبح جزءاً من صورة القوة والسيطرة التي يتمتع بها ماسك على شركة يملك فيها نفوذاً استثنائياً.
وساعد على ذلك محدودية الأسهم المطروحة للتداول، والتي لم تتجاوز نحو 4% من إجمالي أسهم الشركة، مقابل طلب قوي من المستثمرين، إضافة إلى توقع انضمام السهم لاحقاً إلى مؤشرات رئيسية تجبر بعض الصناديق الاستثمارية على شرائه.
%2.5 من القيمة السوقية للأسهم الأميركية
كما أن
الحجم الضخم للشركة، التي تعادل قيمتها نحو 2.5% من إجمالي القيمة السوقية للأسهم الأميركية، يجعل من الصعب على العديد من مديري الأصول تجاهلها، فالقليلون يرغبون في البقاء خارج الاستثمار إذا أصبحت أول شركة تقنية بقيمة 10 تريليونات دولار، وفي المقابل، إذا خيبت الآمال مستقبلاً، فسيكون من السهل تبرير الاستثمار فيها طالما أن معظم المنافسين اتخذوا القرار نفسه.
ويبرز أيضاً عامل المستثمرين الأفراد، إذ سبق لماسك أن بنى قاعدة جماهيرية واسعة عبر تسلا، وبالنسبة لجيل اعتاد المضاربة في أسهم الميم والعملات المشفرة وأسواق المراهنات الرقمية، فإن الاستثمار في أحلام سبيس إكس يبدو خياراً تقليدياً نسبياً.
لذلك، لم يكن الأداء القوي لسهم سبيس إكس في يومه الأول مفاجئاً لكثيرين، ومع ذلك سيأتي الوقت الذي تعيد فيه الأسواق تقييم الشركة، سواء مع زيادة المعروض من الأسهم بعد انتهاء فترات الحظر على البيع، أو مع توافر بيانات مالية أكثر تفصيلاً تسمح بمقارنة أدائها الفعلي بتقييمها الضخم مقارنة بشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي الأخرى.
أما الآن، فتبقى اللحظة لحظة إيلون ماسك بامتياز.