أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن منطقة اليورو تباطؤاً ملحوظاً وغير متوقع في معدلات التضخم خلال شهر يونيو الجاري، ما يمنح البنك المركزي الأوروبي فرصة لالتقاط الأنفاس ومساحة زمنية كافية لتأجيل خيار الرفع الإضافي لأسعار الفائدة، بل وقد يمنحه سبباً قوياً لوقف دورة التشديد النقدي الحالية برمتها. وكان البنك قد بادر إلى رفع الفائدة الشهر الماضي في خطوة استباقية لتطويق قفزة تضخمية متوقعة جراء اندلاع الحرب الإيرانية، إلا أن الأرقام الأخيرة وضعت المحللين الاقتصاديين في حالة انقسام حول الخطوة النقدية القادمة.
وسجل التضخم الإجمالي في الدول الـ21 التي تشترك في العملة الموحدة (اليورو) تراجعاً إلى 2.8% في يونيو، نزولاً من 3.2% المسجلة في مايو الماضي، ليأتي هذا الهبوط دون توقعات المحللين التي كانت تشير إلى استقراره عند 3.0%.
وجاء هذا الانخفاض مدفوعاً بتباطؤ متزامن في أسعار السلع الغذائية، وتراجع تكاليف الطاقة، وهبوط مستويات التضخم في قطاع الخدمات الحيوية بالمنطقة.
بين التثبيت النهائي وعودة القفزات غير المباشرة
وعقّب جاك ألين-رينولدز، نائب رئيس اقتصاديي منطقة اليورو في مؤسسة «كابيتال إيكونوميكس» البحثية، في مذكرة فنية قائلاً: «إن الانخفاض الجوهري في التضخم الرئيسي بأسواق منطقة اليورو خلال يونيو جعله يستقر دون مستويات التوقعات الرسمية للمركزي الأوروبي، وإذا ما استقرت أسعار الطاقة حول مستوياتها الحالية، فإن التضخم سيسجل هبوطاً جديداً في يوليو». وأضاف: «هذه المعطيات تمنحنا ثقة أكبر في رؤيتنا بأن البنك المركزي الأوروبي لن يضطر إلى رفع
أسعار الفائدة مجدداً».
وفي المقابل، تبنى خبراء آخرون نظرة أكثر تحفظاً؛ إذ يتوقعون عودة التضخم للصعود مجدداً خلال أشهر الصيف، وإن كانت أرقام اليوم ستشتري للمركزي الأوروبي بعض الوقت وتسمح له بإقرار «تثبيت مؤقت» في اجتماع يوليو المقبل.
وفي هذا السياق، أوضح رالف سولفين، كبار الاقتصاديين في «كوميرز بنك» (Commerzbank): «رغم الاحتمالية القائمة لهبوط أسعار الطاقة طفيفاً، إلا أنه من المتوقع أن تعمد الشركات بشكل متزايد إلى تمرير تكاليف الطاقة المرتفعة –والتي لا تزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل حرب إيران– إلى المستهلكين النهائيين، ما يعني أن التأثيرات غير المباشرة التي يخشاها البنك ستشتد في الوقت الحالي، ولذلك نرجح أن يرد البنك برفع آخر للفائدة في سبتمبر».
تحذيرات من «أثر الجولة الثانية»
وفي منطقة الوسط بين الرأيين، يرى محللو بنك «نورديا» (Nordea)، أندرس سفيندسن وتولي كويفو، أن بيانات يونيو ينبغي أن تبدد جزءاً من المخاوف التضخمية الفورية، وهو ما يقلّص احتمالات الرفع في يوليو، لكنهما حذرا من استبعاد أي زيادة أخرى مستقبلاً.
وأوضح محللو نورديا: «لا يزال الوقت مبكراً جداً لكي يعلن المركزي الأوروبي انتهاء مخاوفه التضخمية؛ فمن جهة يصعب تقييم المدى الحقيقي لـ 'تأثيرات الجولة الثانية' (Second-round effects) على الأجور والأسعار حالياً، ومن جهة أخرى فإن التراجع السريع عن نبرة التشديد قد يفتح الباب أمام انتقادات حادة للبنك بشأن جدوى خطوة رفع الفائدة التي أقرها في يونيو».
وتترقب الأسواق المالية والائتمانية بحذر شديد الخطوات القادمة لصانعي السياسة النقدية؛ حيث تظهر بيانات التسعير الفوري في أسواق الفائدة أن المتعاملين يترقبون تشديداً نقدياً بمقدار 23 نقَطة أساس بحلول نهاية العام الجاري، ما يعني عملياً أن الأسواق تعطي احتمالية تصل إلى 90% لإقرار زيادة واحدة إضافية وأخيرة في أسعار الفائدة قبل الدخول في مرحلة التثبيت الطويل.