رهان القرن.. سون يضع مستقبل سوفت بنك على طاولة الذكاء الاصطناعي
كريم سعيد
تاريخ النشر: قبل 3 ساعات
آخر تعديل: قبل ساعة
ماسايوشي سون رئيس سوفت بنك (أ ف ب)
ماسايوشي سون رئيس سوفت بنك (أ ف ب)
وقف المستثمر المخضرم ماسايوشي سون فوق خشبة المسرح في طوكيو، ليقدم عرضاً قد يغير ملامح سوفت بنك للأبد، فقد كان مؤسس سوفت بنك يرسم صورة جديدة للمجموعة اليابانية التي بناها قبل 45 عاماً، حيث عرضت الشاشة مشهداً لـ«إوزة» تنتج بيض الذكاء الاصطناعي الذهبي.
وضع سون نفسه في قلب طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية عبر أربعة محاور يسميها أركان «الذكاء الاصطناعي الخارق»: مراكز البيانات، ونماذج الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، قائلاً للصحيفة إن «هذه هي الفترة التي يجب أن نُظهر فيها حقيقة سوفت بنك»، بحسب تقرير لصحيفة فاينانشال تايمز.
من مستثمر تكنولوجي إلى مهندس بنية تحتية
لم يعد رهان سون مقتصراً على شراء حصص في شركات ناشئة ثم انتظار الطرح العام، فالنسخة الجديدة من سوفت بنك تقوم على محاولة بناء منظومة مترابطة (Arm) لتصميم الرقائق، و(OpenAI) للنماذج، ومراكز البيانات لتوفير القدرة الحاسوبية، والروبوتات لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى نشاط مادي وتشغيلي.
هذا التحول أعاد سوفت بنك إلى واجهة السوق اليابانية، حيث تجاوزت المجموعة تويوتا في الأول من يونيو حزيران لتصبح الشركة اليابانية الأعلى قيمة للمرة الأولى منذ فقاعة الإنترنت، في لحظة رمزية تعكس انتقال شهية المستثمرين من الصناعة التقليدية إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وفق فايننشال تايمز.
غير أن الصعود يحمل في داخله سؤالاً قديماً، وهو هل يرى سون المستقبل قبل الآخرين، أم أنه يعيد إنتاج نمط المراهنة الكبيرة نفسه الذي أنتج نجاحات مثل علي بابا و(Arm)، وخسائر مؤلمة مثل (WeWork)؟.
خبراء استطلعت فاينانشال تايمز آرائهم يشيرون إلى أن بعض رهاناته حققت نجاحاً باهراً، بينما كلّفته أخرى مليارات الدولارات وسمعته كمستثمر لا يتردد في الرهان على المؤسسين أصحاب الكاريزما.
أوبن إيه آي.. رهان بنحو 65 مليار دولار
في قلب الاستراتيجية تقف أوبن إيه آي (OpenAI)، حيث التزمت سوفت بنك باستثمار نحو 64.6 مليار دولار مقابل حصة نهائية تقارب 13% في مطورة (ChatGPT)، ما يجعل جانباً كبيراً من قصة سوفت بنك الجديدة مرتبطاً بتقييم شركة خاصة لا تزال تحتاج إلى تمويل ضخم لتشغيل نماذجها وبنيتها التحتية.
سجلت سوفت بنك صافي ربح بلغ 1.83 تريليون ين، أو نحو 11.6 مليار دولار، في الربع الممتد من يناير كانون الثاني إلى مارس آذار 2026، مدفوعاً بمكاسب تقييم استثمارها في (OpenAI)، كما سجل صندوق الرؤية مكاسب قدرها 3.1 تريليون ين في الربع نفسه بفضل الحصة ذاتها، وفق النتائج المالية للمجموعة.
وتخطط المجموعة لاستثمار إجمالي 64.6 مليار دولار في (OpenAI) مقابل حصة 13%، ما يجعل هذا الرهان أضخم برنامج إنفاق لها منذ إطلاق صناديق الرؤية، وفق رويترز.
لكن التمويل بات هو الحلقة الأكثر حساسية؛ فقد حصلت سوفت بنك في مارس آذار على قرض جسري بقيمة 40 مليار دولار لدعم استثماراتها في (OpenAI) واحتياجاتها العامة، قبل أن تعود في يوليو تموز للتفاوض على قرض هامشي بنحو 10 مليارات دولار بضمان حصتها في الشركة، مع تقديم تنازلات إضافية للمقرضين بسبب صعوبة تقييم أسهم شركة غير مدرجة.
«إيه آر إم» تمنح القصة صلابتها
إذا كانت أوبن إيه آي تمنح سوفت بنك قصة النمو، فإن (Arm) تمنحها الأصل الأكثر وضوحاً للمستثمرين، فالشركة البريطانية لتصميم الرقائق، التي اشترتها سوفت بنك في 2016 وأعادت إدراجها في ناسداك عام 2023، أصبحت ركيزة التقييم الأساسية للمجموعة.
وتمتلك سوفت بنك نحو 90% من (Arm)، وأن قيمة هذه الحصة تجاوزت في وقت من الأوقات القيمة السوقية للمجموعة اليابانية نفسها، وهو ما يعكس مفارقة أساسية: السوق تعترف بقيمة الأصول، لكنها لا تمنح الشركة الأم الثقة الكاملة في تحويل هذه الأصول إلى قيمة مستقرة للمساهمين، وفق فايننشال تايمز.
وكتبت وول ستريت جورنال أن عودة سون إلى القمة جاءت بعد سنوات من التراجع المرتبط برهانات فاشلة مثل (WeWork) و(DiDi)، وأن طفرة الذكاء الاصطناعي أعادته إلى موقع أغنى رجال اليابان، لكنها أشارت أيضاً إلى أن صعود سوفت بنك يقوم على تمويل بالرافعة المالية ومعاملات داخلية معقدة تزيد حساسية المجموعة لأي هبوط في تقييمات الذكاء الاصطناعي.
الخصم الذي يطارد سوفت بنك
على الرغم من موجة التفاؤل، لا يزال السوق يضع خصماً كبيراً على سوفت بنك مقارنة بصافي قيمة أصولها، وفي اجتماع المساهمين السنوي، قال سون إن القيمة السوقية للشركة تبلغ نحو 37 تريليون ين، بينما تصل قيمة أصولها إلى نحو 74 تريليون ين، متسائلاً إلى متى سيحتاج إقناع المستثمرين بأن «الإوزة» أدت مهمتها؟
هذا الخصم ليس مجرد فجوة محاسبية، بل إنه حكم من السوق على نموذج معقد، حيث إن شركة تمتلك أصولاً ضخمة، لكنها تعتمد على تمويل مكثف، ورهانات مركزة، ومؤسس لا يزال هو مركز القرار والاستراتيجية والخيال الاستثماري.
ويخشى المستثمرون من أن سوفت بنك تستخدم أصولها بسرعة في ترتيبات تمويل معقدة، تشمل قروض هامش مقابل حصص في شركات مثل (Arm)، كما أشارت إلى أن نسبة القرض إلى القيمة التي أعلنتها المجموعة بلغت 17% بنهاية مارس آذار، وأن هذا المستوى قد يتغير سريعاً إذا هبطت الأسواق، وفق فاينانشال تايمز.
ماسايوشي سون رئيس سوفت بنك (أ ف ب)
حوكمة على مقاس ماسايوشي سون
الرهان المالي يتداخل مع سؤال الحوكمة، فقد أعاد سون خلال العقد الماضي تشكيل سوفت بنك وفق رؤيته الشخصية؛ فقد زاد حجم مكتبه، وغادر عدد من كبار مساعديه والورثة المحتملين وأعضاء مجلس الإدارة المستقلين البارزين، بينما أصبحت الشركة أكثر التصاقاً بمؤسسها.
أنصار سون يرون ذلك ميزة، فالمستثمر الذي يشتري سوفت بنك يشتري، عملياً، قدرة سون على اقتناص رهانات طويلة الأمد قبل أن يقتنع بها السوق. أما المنتقدون فيرون أن اعتماد شركة بهذا الحجم على رجل واحد يرفع المخاطر، خصوصاً عندما تصبح أصولها مرتبطة بالبنية التحتية الحيوية للذكاء الاصطناعي والطاقة والحوسبة.
وتزداد المخاوف مع وضع سوفت بنك كمستثمر وعميل في الوقت نفسه لشركات رئيسية في محفظتها.
دفعت المجموعة لشركة (Arm) نحو 704 ملايين دولار في السنة المالية المنتهية في مارس آذار، كما أبرمت عقداً بقيمة 3 مليارات دولار سنوياً مع (OpenAI) لتطوير منتج مشترك باسم (Cristal Intelligence).
من الذكاء الاصطناعي إلى الطاقة ومراكز البيانات
لم تعد سوفت بنك تراهن على البرمجيات وحدها، فمشروع (Stargate)، الذي يجمع (OpenAI) و(SoftBank) و(Oracle)، يستهدف استثمار ما يصل إلى 500 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة، وفق رويترز، في خطوة تجعل سون جزءاً من سباق جيوسياسي على الطاقة والحوسبة ومراكز البيانات.
واتفقت سوفت بنك على شراء (DigitalBridge) مقابل نحو 4 مليارات دولار، في صفقة تعزز اندفاعها نحو البنية التحتية الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك مراكز البيانات والألياف والأصول اللاسلكية، ما يوضح أن استراتيجية سون تتحول من الاستثمار في التطبيقات إلى امتلاك الأنابيب التي تمر عبرها الثورة الجديدة، وفق بيزنس إنسايدر.
سون يرفض كلمة فقاعة
بالنسبة إلى سون، الحديث عن فقاعة في الذكاء الاصطناعي ليس تحذيراً مشروعاً بل سوء فهم للمرحلة، حيث نقلت رويترز عنه في اجتماع المساهمين قوله إن وصف طفرة الذكاء الاصطناعي بالفقاعة هو «تجديف بحق الذكاء الاصطناعي»، مؤكداً أن التكنولوجيا لا تزال في بدايتها، وأنه يريد قيادة سوفت بنك 10 إلى 15 عاماً أخرى لتحقيق حلم «الذكاء الاصطناعي الخارق».
فاينانشال تايمز نقلت عنه أن الهدف الأكثر جرأة، هو رفع صافي قيمة أصول سوفت بنك إلى 1 كوادريليون ين، أو نحو 6.189 تريليون دولار، مدعوماً بالذكاء الاصطناعي الخارق، بعدما قال للمساهمين إنه أصبح «أكثر طمعاً» ولا يعتزم التخلي عن القيادة قريباً.
إما منصة عالمية أو درس جديد من وي وورك
تكمن قوة رؤية سون في أنها مترابطة، حيث تجمع بين الرقائق من (Arm)، والنماذج من (OpenAI)، والتمويل من سوفت بنك، والطاقة لمراكز البيانات، والروبوتات لتطبيق الذكاء الاصطناعي في العالم الحقيقي، لكنها في الوقت نفسه رؤية تتطلب استمرار ارتفاع التقييمات، ونجاح الطروحات العامة المقبلة، وتوافر تمويل ضخم بأسعار مقبولة.
وبحسب خبراء أسواق المال إذا نجح الرهان، قد تتحول سوفت بنك من شركة قابضة تتداول بخصم إلى منصة عالمية تتحكم في طبقات متعددة من اقتصاد الذكاء الاصطناعي، وإذا تعثر، فقد يعود المستثمرون إلى السؤال الذي لازم سون منذ (WeWork)، فهل تكفي الرؤية العبقرية حين تسبق الأرقام والتدفقات النقدية؟